فخانوا وادخروا ورفعوا لغد ، فمسخوا قردة وخنازير» (١) انتهى. قلت : ثم صحح الترمذي وقفه على عمار وقال : لا نعلم للحديث المرفوع أصلا ، غير أن ذلك لا يضره لكونه لا يقال من قبل الرأي ، ولا أعلم أحدا ذكر عمارا فيمن أخذ عن أهل الكتاب ، فهو مرفوع حكما ، وهذا الخبر يؤكد أن الخبر في الآية على بابه ، فيدفع قول من قال : إنها لم تنزل ، لأنهم لما سمعوا الشرط قالوا : لا حاجة لنا بها ، لأن خبره تعالى لا يخلف ولا يبدل القول لديه ، وهذا الرزق الذي من السماء قد وقع مثله لآحاد الأمة ؛ روى البيهقي في أواخر الدلائل عن أبي هريرة قال : كانت امرأة من دوس يقال لها أم شريك أسلمت في رمضان ، فأقبلت تطلب من يصحبها إلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، فلقيت رجلا من اليهود فقال : ما لك يا أم شريك؟ قالت : أطلب رجلا يصحبني إلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، قال : فتعالي فأنا أصحبك ، قالت : فانتظرني حتى أملأ سقائي ماء ، قال : معي ماء ما لا تريدين ماء ، فانطلقت معهم فساروا يومهم حتى أمسوا ، فنزل اليهودي ووضع سفرته فتعشى وقال : يا أم شريك! تعالي إلى العشاء! فقالت : اسقني من الماء فإني عطشى ، ولا أستطيع أن آكل حتى أشرب ، فقال لها : لا أسقيك حتى تهودي! فقالت : لا جزاك الله خيرا! غربتني ومنعتني أن أحمل ماء ، فقال : لا والله لا أسقيك منه قطرة حتى تهودي ، فقالت : لا والله لا أتهود أبدا بعد إذ هداني الله للإسلام ؛ فأقبلت إلى بعيرها فعقلته ووضعت رأسها على ركبته فنامت ، قالت : فما أيقظني إلا برد دلو قد وقع على جبيني ، فرفعت رأسي فنظرت إلى ماء أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل ، فشربت حتى رويت ، ثم نضحت على سقائي حتى ابتل ثم ملأته ، ثم رفع بين يديّ وأنا أنظر حتى توارى عني في السماء ، فلما أصبحت جاء اليهودي فقال : يا أم شريك! قلت : والله قد سقاني الله ، قال : من أين أنزل عليك؟ من السماء؟ قلت : نعم ، والله لقد أنزل الله عليّ من السماء ثم رفع بين يدي حتى توارى عني في السماء ؛ ثم أقبلت حتى دخلت على رسول الله صلىاللهعليهوسلم فقصت عليه القصة ، فخطب رسول الله صلىاللهعليهوسلم إليها نفسها فقالت : يا رسول الله! لست أرضي نفسي لك ولكن بضعي لك فزوجني من شئت ، فزوجها زيدا وأمر لها بثلاثين صاعا وقال : كلوا ولا تكيلوا ، وكان معها عكة سمن هدية لرسول الله صلىاللهعليهوسلم فقالت لجارية لها : بلغي هذه العكة رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، قولي : أم شريك تقرئك
__________________
(١) أخرجه الترمذي ٣٠٦٢ وأبو يعلى ٥٦٥١ والطبري ١٣٠١٦ كلهم من حديث عمار بن ياسر. قال الترمذي : هذا حديث قد رواه أبو عاصم وغيره عن عمار بن ياسر موقوفا ولا نعرفه مرفوعا إلا من حديث الحسن بن قزعة وقال أيضا : حدثنا حميد بن مسعدة عن سعيد بن أبي عروبة نحوه ، ولم يرفعه ، وهذا أصح من حديث الحسن بن قزعة ا ه. وأخرجه الطبري ١٣٠١٨ موقوفا على عمار بن ياسر.
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
