ولما فرغ من زجرهم عن أن يشرعوا لأنفسهم أو يسألوه عن أن يشرع لهم وأن يسألوا من رحمهم بابتدائهم بهذا الشرع عن شيء من الأشياء اعتمادا على أنه ما ابتدأ بذلك إلا وهو غير مخف عنهم شيئا ينفعهم ولا مبد لهم شيئا يضرهم لأنه بكل شيء عليم ـ كما تقدم التنبيه على ذلك ، قال معللا بختام الآية التي قبلها : (ما جَعَلَ اللهُ) أي الذي له صفات الكمال فلا يشرع شيئا إلا وهو على غاية الحكمة ، وأغرق في النفي بقوله : (مِنْ بَحِيرَةٍ) وأكد النفي بإعادة النافي فقال : (وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ) دالا بذلك على أن الإنسان قد يقع في شرعه لنفسه على الخبيث دون الطيب ، وذلك لأن الكفار شرعوا لأنفسهم هذا وظنوا أنه من محاسن الأعمال ، فإذا هو مما لا يعبأ الله به بل ومما يعذب عليه ، لكونه أوقعهم فيما كانوا معترفين بأنه أقبح القبائح وهو الكذب ، بل في أقبح أنواعه وهو الكذب على ملك الملوك ، ثم صار لهم دينا ، وصاروا أرسخ الناس فيه وهو عين الكفر ، وهم معترفون بأنه ما شرعه إلا عمرو بن لحي وهو أول من غير دين إبراهيم ـ كما رواه الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما «أن النبي صلىاللهعليهوسلم قال : إن عمرا أول من غير دين إسماعيل فنصب الأوثان وبحر البحيرة وسيب السوائب ووصل الوصيلة وحمى الحامي» (١) ورواه عبد بن حميد في مسنده عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه وفي آخره : «وكان عمرو بن لحي أول من حمل العرب على عبادة الأصنام» ورواه البخاري في المناقب من صحيحه ومسلم في صفة النار عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : «قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار ، وكان أول من سيّب السوائب» (٢) قال ابن هشام في السيرة : والبحيرة عندهم الناقة تشق أذنها فلا يركب ظهرها ولا يجزّ وبرها ولا يشرب لبنها إلا ضيف أو يتصدق به
__________________
(١) حسن. أخرج بعضه الطبراني في الكبير ١٠ / (١٠٨٠٨) وفي الأوسط كما في المجمع ١ / ٦١٦ وابن أبي عاصم في الأوائل ٢٣ / ١ كلهم من حديث ابن عباس ، ولفظ الطبراني في الكبير : «أول من غير دين إبراهيم عليهالسلام عمرو بن لحي بن قميئة بن خندف أبو خزاعة» قال الهيثمي : وفيه صالح مولى التوأمة وضعفه بسبب اختلاطه وابن أبي ذئب سمع منه قبل الاختلاط وهذا من رواية ابن أبي ذئب عنه ا ه. وأخرج بعضه الآخر أيضا أحمد ١ / ٤٤٦ من حديث عبد الله بن مسعود بلفظ : «إن أول من سيب السوائب ، وعبد الأصنام أبو خزاعة عمرو بن عامر ، وإني رأيته يجر أمعاءه في النار». وذكره الهيثمي في المجمع ١ / ١١٦ وقال : وفيه إبراهيم الهجري وهو ضعيف لكنه شاهد لما قبله ، فالحديث حسن والله أعلم. وانظر تفسير ابن كثير ٢ / ١١٠. ١١١ والدر المنثور ٢ / ٣٣٨. ٣٣٩.
(٢) صحيح. أخرجه البخاري ٣٥٢١ ، ٤٦٢٣ ومعلقا بإثر حديث ٤٦٢٣ ومسلم ٢٨٥٦ والنسائي في الكبرى ١١١٥٦ والطبراني في الأوائل ١٩ والبيهقي ١٠ / ٩ ، ١٠ وابن حبان ٦٢٦٠ و ٧٤٩٠ والطبري ١٢٨١٩ ، ١٢٨٤٤ ، ١٢٨٤٠ والبغوي في المعالم ٢ / ٧١ وابن أبي شيبة ١٤ / ٧٠ وأبو يعلى ٦١٢١ كلهم من حديث أبي هريرة.
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
