تعذر زواله ، فقال : (وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ) أي تعاطيهما لأن الخمر تزيل العقل ، فيزول المانع من إظهار الكامن من الضغائن والمناقشة والمحاسدة ، فربما أدى ذلك إلى حروب طويلة وأمور مهولة ، والميسر يذهب المال فيوجب ذلك الإحنة على من سلبه ماله ونغص عليه أحواله.
ولما ذكر ضررهما في الدنيا ، ذكر ضررهما في الدين فقال : (وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ) أي الملك الأعظم الذي لا إله لكم غيره ولا كفوء له ، وكرر الجار تأكيدا للأمر وتغليظا في التحذير فقال : (وَعَنِ الصَّلاةِ) أما في الخمر فواضح ، وأما في الميسر فلأن الفائز ينسى ببطر الغلبة ، والخائب مغمور بهمه ، وأعظم التهديد بالاستفهام والجملة الاسمية الدالة على الثبات بعد التأكيد بالحصر والضم إلى فعل الجاهلية وبيان الحكم الداعية إلى الترك والشرور المنفرة عن الفعل فقال : (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) أي قبل أن يقع بكم ما لا تطيقون.
ولما كان ذلك مألوفا لهم محبوبا عندهم ، وكان ترك المألوف أمرّ من ضرب السيوف ، أكد دعوتهم إلى اجتنابه محذرا من المخالفة بقوله عاطفا على ما تقديره : فانتهوا : (وَأَطِيعُوا اللهَ) أي الملك الأعلى الذي لا شريك له ولا أمر لأحد سواه ، أي فيما أمركم به من اجتناب ذلك ، وأكد الأمر بإعادة العامل فقال : (وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ) أي الكامل في الرسلية في ذلك ، وزاد في التخويف بقوله : (وَاحْذَرُوا) أي من المخالفة ، ثم بلغ الغاية في ذلك بقوله : (فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ) أي بالإقبال على شيء من ذلك ، وأشار بصيغة التفعل إلى أن ذلك إنما يعمل بمعالجة من النفس للفطرة الأولى ، وعظم الشأن في ابتداء الجزاء بالتنبيه بالأمر بالعلم فقال : (فَاعْلَمُوا) أنكم لم تضروا إلا أنفسكم ، لأن الحجة قد قامت عليكم ، ولم يبق على الرسول شيء لأنكم علمتم (أَنَّما عَلى رَسُولِنَا) أي البالغ في العظمة مقدارا يجل عن الوصف بإضافته إلينا (الْبَلاغُ الْمُبِينُ) أي البين في نفسه الموضح لكل من سمعه ما يراد منه لا غيره ، فمن خالف فلينظر ما يأتيه من البلاء من قبلنا ، وهذا ناظر إلى قوله : (بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) [المائدة : ٦٧] فكأنه قيل : ما عليه إلا ما تقدم من إلزامنا له به من البلاغ ، فمن اختار لنفسه المخالفة كفر ، والله لا يهدي من كان مختارا لنفسه الكفر.
(لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ (٩٤))
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
