يكفي عنها خبر واحد على سبيل الجمع ؛ ثم زاد في التنفير عنها تأكيدا لرجسيتها بقوله : (مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ) أي المحترق البعيد ، ثم صرح بما اقتضاه السياق من الاجتناب فقال : (فَاجْتَنِبُوهُ) أي تعمدوا أن تكونوا عنه في جانب آخر غير جانبه. وأفرد لما تقدم من الحكم ، ثم علل بما يفهم أنه لا فوز بشيء من المطالب مع مباشرتها فقال : (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) أي تظفرون بجميع مطالبكم ، روى البخاري في التفسير عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : «لقد حرمت الخمر وما بالمدينة منها شيء» (١) وفي رواية : «نزل تحريم الخمر وإن بالمدينة يومئذ لخمسة أشربة ما فيها شراب العنب» (٢) وفي رواية عنه : «سمعت عمر على منبر النبي صلىاللهعليهوسلم يقول : أما بعد أيها الناس إنه نزل تحريم الخمر وهي من خمسة : من العنب ـ وفي رواية : من الزبيب ـ والتمر والعسل والحنطة والشعير ، والخمر ما خامر العقل» (٣) وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : «ما كان لنا خمر غير فضيخكم هذا ، وإني لقائم أسقي أبا طلحة وفلانا وفلانا إذ جاء رجل فقال : حرمت الخمر ، قالوا : أهرق هذه القلال يا أنس! فما سألوا عنها ولا راجعوها بعد خبر الرجل» (٤) وفي رواية عنه : «حرمت علينا الخمر حين حرمت وما نجد خمر الأعناب إلا قليلا ، وعامة خمرنا البسر والتمر» (٥) قال الأصبهاني : وذلك بعد غزوة الأحزاب بأيام.
ولما كانت حكمة النهي عن الأنصاب والأزلام قد تقدمت في أول السورة ، وهي أنها فسق ، اقتصر على بيان علة النهي عن الخمر والميسر إعلاما بأنهما المقصودان بالذات ، وإن كان الآخرين ما ضما إلا لتأكيد تحريم هذين ـ كما تقدم ، لأن المخاطب أهل الإيمان ، وقد كانوا مجتنبين لذينك ، فقال مؤكدا لأن الإقلاع عما حصل التمادي في المرون عليه يحتاج إلى مثل ذلك : (إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ) أي بتزيين الشرب والقمار لكم (أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ.)
ولما كانت العداوة قد تزول أسبابها ، ذكر ما ينشأ عنها مما إذا استحكم تعسر أو
__________________
(١) موقوف صحيح ، أخرجه البخاري ٥٥٧٩ كتاب الأشربة باب الخمر من العنب عن ابن عمر.
(٢) موقوف صحيح. أخرجه البخاري ٤٦١٦ عن ابن عمر كتاب التفسير.
(٣) صحيح. أخرجه البخاري ٥٥٨١ و ٥٥٨٨ و ٥٥٨٩ و ٧٣٣٧ ومسلم ٣٠٣٢ وأبو داود ٣٦٦٩ والترمذي ١٨٧٤ والنسائي ٨ / ٢٩٥ وعبد الرزاق ١٧٤٩ وابن أبي شيبة ٨ / ١٠٦ وابن حبان ٥٣٥٣ و ٥٣٥٨ و ٥٣٥٩ والبغوي ٣٠١١ وأحمد في الأشربة ١٨٥ كلهم عن ابن عمر موقوفا عليه.
(٤) صحيح. أخرجه البخاري ٥٥٨٣ و ٥٦٢٢ و ٥٥٨٤ ومسلم ١٩٨٠ والنسائي ٨ / ٢٨٧ وابن حبان ٥٣٥٢ و ٥٣٦٢ و ٥٣٦٣ و ٥٣٦٤ والبيهقي ٨ / ٢٩٠ والطحاوي ٤ / ٢١٣ وأحمد في الأشربة ١٣٦ وفي المسند ٣ / ١٨٣ و ١٨٩ و ١٩٠ كلهم عن أنس بن مالك بألفاظ متقاربة.
(٥) هذه الرواية عند البخاري برقم ٥٥٨٠ ومسلم ٢٩٨٢ عن أنس بن مالك.
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
