مقرن ، واتفقوا على أن يصوموا النهار ويقوموا الليل ولا يناموا على الفرش ولا يأكلوا اللحم ولا الودك ولا يقربوا النساء والطيب ويلبسوا المسوح ويرفضوا الدنيا ويسيحوا في الأرض ويترهبوا ويجبّوا المذاكير ؛ فبلغ ذلك رسول الله صلىاللهعليهوسلم فقال لهم : ألم أنبأ أنكم اتفقتم على كذا وكذا؟ قالوا : بلى يا رسول الله! وما أردنا إلا الخير ، فقال : إني لم أومر بذلك ، إن لأنفسكم عليكم حقا ، فصوموا وأفطروا. وقوموا وناموا ، فإني أقوم وأنام ، وأصوم وأفطر ، وآكل اللحم والدسم ، ومن رغب عن سنتي فليس مني ؛ ثم جمع الناس فخطبهم فقال : ما بال أقوام حرموا النساء والطعام والطيب والنوم وشهوات الدنيا! أما! إني لست آمركم أن تكونوا قسيسين ورهبانا ، فإنه ليس في ديني ترك اللحم والنساء ولا اتخاذ الصوامع ، وإن سياحة أمتي الصوم ، ورهبانيتهم الجهاد ، واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وحجوا واعتمروا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وصوموا رمضان ، فإنما هلك من كان قبلكم بالتشديد ، شددوا فشدد الله عليهم ، فأولئك بقاياهم في الديارات والصوامع ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، فقالوا : يا رسول الله! فكيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها؟ وكانوا حلفوا على ما عليه اتفقوا ، فأنزل الله عزوجل قوله تعالى (لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ»)(١) [المائدة : ٨٩ ، والبقرة : ٢٢٥] ، ولا تعارض بين الخبرين لإمكان الجمع بأن يكون الرجل لما سمع تذكير النبي صلىاللهعليهوسلم سأل ، ولو لم يجمع صح أن يكون كل منهما سببا ، فالشيء الواحد قد يكون له أسباب جمة ، بعضها أقرب من بعض ، فمن الأحاديث الواردة في ذلك ما روى البغوي بسنده من طريق ابن المبارك في كتاب الزهد عن سعد بن مسعود «أن عثمان بن مظعون رضي الله عنه أتى النبي صلىاللهعليهوسلم فقال : ائذن لنا في الاختصاء ، فقال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : ليس منا من خصي ولا اختصى ، إن خصاء أمتي الصيام ، فقال : يا رسول الله! ائذن لنا في السياحة ، فقال : إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله. فقال : يا رسول الله! ائذن لنا في الترهب ، فقال : إن ترهب أمتي الجلوس في المساجد انتظارا لصلاة» (٢) وللشيخين والترمذي والنسائي والدارمي عن سعد بن أبي
__________________
(١) ذكره الواحدي في أسباب النزول ص ١٥٣ ، ١٥٤ وأخرجه الطبري في تفسيره ١٢٣٤٩ عن السدي ... فذكره. وأصل هذا الخبر عند البخاري ٥٠٦٣ ومسلم ١٤٠١ والنسائي ٦ / ٦٠ والبيهقي ٧ / ٧٧ وابن حبان ١٤ وأحمد ٣ / ٢٤١ و ٢٥٩ ، ٢٨٥ والبغوي ٩٦ كلهم من حديث أنس بن مالك ولفظه : «أن نفرا من أصحاب النبي صلىاللهعليهوسلم سألوا أزواج النبي صلىاللهعليهوسلم عن عمله في السر ، فقال بعضهم : لا أتزوج ، وقال بعضهم : لا آكل اللحم. وقال بعضهم : لا أنام على فراش فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : ما بال أقوام قالوا كذا وكذا لكني أصلي وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني».
(٢) ضعيف. أخرجه ابن المبارك في الزهد ٨٤٥ بسنده عن سعد بن مسعود أن عثمان بن مظعون ... فذكره. وفي إسناده رشدين بن سعد ضعفه الحافظ في التقريب.
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
