رحمة منه لأهله ولطفا بهم تشريفا لنبيهم صلىاللهعليهوسلم ، ونهاهم عن الإفراط فيه والتفريط فقال تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) أي وجد منهم الإقرار بذلك (لا تُحَرِّمُوا) أي تمنعوا أنفسكم بنذر أو يمين أو غيرهما تصديقا لما أقررتم به ، ورغبهم في امتثال أمره بأن جعله موافقا لطباعهم ملائما لشهواتهم فقال : (طَيِّباتِ ما) أي المطيبات وهي اللذائذ التي (أَحَلَّ اللهُ) وذكر هذا الاسم الأعظم مرغب في ذلك ، فإن الإقبال على المنحة يكون على مقدار المعطي ، وأكد ذلك بقوله : (لَكُمْ) أي وأما هو سبحانه فهو منزه عن الأغراض ، لا ضر يلحقه ولا نفع ، لأن له الغنى المطلق.
ولما أطلق لهم ذلك ، حثهم على الاقتصاد ، وحذرهم من مجاوزة الحد إفراطا وتفريطا فقال : (وَلا تَعْتَدُوا) فدل بصيغة الافتعال على أن الفطرة الأولى مبنية على العدل ، فعدولها عنه لا يكون إلا بتكلف ، ثم علل ذلك بقوله مؤكدا لاستبعاد أن ينهى عن الإمعان في العبادة : (إِنَّ اللهَ) أي وهو الملك الأعظم (لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) أي لا يفعل فعل المحب من الإكرام للمفرطين في الورع بحيث يحرمون ما أحللت ، ولا للمفرطين فيه الذين يحللون ما حرمت ، أي يفعلون فعل المحرم من المنع وفعل المحلل من التناول ، وما ذكر من سبب نزول الآية واضح في ذلك ؛ روى الواحدي في أسباب النزول بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما «أن رجلا أتى رسول الله صلىاللهعليهوسلم فقال : يا رسول الله! إني إذا أكلت من هذا اللحم انتشرت إلى النساء وإني حرمت عليّ اللحم ، فنزلت : (لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ) ونزلت : (وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ»)(١) [المائدة : ٨٨]. وأخرجه الترمذي في التفسير من جامعه وقال : حسن غريب ، ورواه خالد الحذاء عن عكرمة مرسلا. وقال الواحدي : وتبعه عليه البغوي : قال المفسرون : «جلس رسول الله صلىاللهعليهوسلم فذكر الناس ووصف القيامة ولم يزدهم على التخويف فرق الناس وبكوا ، فاجتمع عشرة من الصحابة رضي الله عنهم في بيت عثمان بن مظعون الجمحي ، وهم أبو بكر الصديق وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمرو وأبو ذر الغفاري وسالم مولى أبي حذيفة والمقداد بن الأسود وسلمان الفارسي ومعقل بن
__________________
(١) ضعيف. أخرجه الترمذي ٣٠٥٤ والطبراني في الكبير ١١ / ١١٩٨١ وابن جرير ١٢٣٥٤ والواحدي في أسبابه ص ١٥٣ وابن عدي في الكامل ٥ / ١٧٠ كلهم من حديث ابن عباس وذكره السيوطي في الدر ٢ / ٣٠٧ ونسبه لهؤلاء. قال الترمذي : حسن غريب. ورواه خالد الحذاء عن عكرمة مرسلا. وقال ابن عدي في الكامل : في إسناده عثمان بن سعد ، وهو حسن الحديث مع ضعفه يكتب حديثه ا ه. وقال الحافظ في التقريب : عثمان بن سعد ضعيف ا ه. وورد بمعناه مرسلا. أخرجه الطبري في التفسير ١٢٣٥٥ عن عكرمة قال : «وهمّ أناس من أصحاب رسول الله صلىاللهعليهوسلم بترك النساء والخصاء فأنزل الله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا ...)».
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
