القدس لا يترك له في هذا الدهر ولا في الآتي ، إما أن تصيروا الشجرة الجيدة وثمرتها جيدة ، وإما أن تصيروا الشجرة الرديئة وثمرتها رديئة ، لأن من الثمرة تعرف الشجرة ، يا أولاد الأفاعي! كيف تقدرون أن تتكلموا بالصلاح وأنتم أشرار! إنما يتكلم الفم من فضل ما في القلب ، الرجل الصالح من كنزه الصالح يخرج الصلاح ، والرجل الشرير من كنزه الشرير يخرج الشر ، أقول لكم : إن كل كلمة يتكلم بها الناس بطالة يعطون عنها جوابا في يوم الدين ، لأنك من كلامك تبرّر ، ومن كلامك يحكم عليك. وفي إنجيل لوقا : وفيما هو يتكلم إذ رفعت امرأة من الجمع صوتها وقالت : طوبى لبطن التي حملتك ، ولثدي التي أرضعتك ، فقال لها : مهلا! طوبى لمن يسمع كلام الله ويحفظه ـ انتهى. حينئذ أجابه قوم من الكتبة والفريسيين قائلين : نريد يا معلم أن ترينا آية ، أجابهم وقال لهم : الجيل الشرير الفاسق يطلب آية فلا يعطي آية إلا آية يونان النبي ؛ قال لوقا : فكما كان في يونان آية لأهل نينوى ، كذلك يكون ابن الإنسان لهذا الجيل آية ـ انتهى. رجال نينوى يقومون في الحكم ويحاكمون هذا الجيل ، لأنهم تابوا بكريزة يونان ـ وقال لوقا : بإنذار يونان ـ وههنا أفضل من يونان ، ملكة التيمن تقوم في الحكم مع هذا الجيل وتحاكمه ، لأنها أتت من أقصى الأرض لتسمع من حكمة سليمان ، وههنا أفضل من سليمان ، إن الروح النجس إذا خرج من الإنسان يأتي أمكنة ليس فيها ماء ، يطلب راحة فلا يجد ، فيقول حينئذ : أرجع إلى بيتي الذي خرجت منه ، فيأتي فيجد المكان فارغا مكنوسا مزينا ، فيذهب حينئذ ويأخذ معه سبعة أرواح أخر شرا منه ويأتي ويسكن هناك ، فتصير آخرة ذلك الإنسان شرا من أوليته ، وهكذا يكون لهذا الجيل الشرير ـ انتهى. والتجديف هو الكفر بالنعم ، ويونان : يونس عليهالسلام ، والكريزة ـ بينها لوقا بأنها الإنذار ، والتيمن : اليمن ، والأركون ـ بضم الهمزة والكاف بينهما راء مهملة ساكنة : الكبير ، ويروشليم ـ بفتح التحتانية وضم المهملة ثم شين معجمة : بيت المقدس ، وباعل زبول ـ بموحدة وعين مهملة وزاي وموحدة. هذا الدليل على التوحيد وأن الشركة في الإلهية لا تصح أصلا ، وأما الدليل على عدم شركة كل من عيسى وأمه عليهماالسلام بخصوصهما فسيأتي تقريره بقوله تعالى (كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ) [المائدة : ٧٥] والمراد من ذلك كله أنه متى دخلت الشركة أتى النقص فعلا أو إمكانا ، ومن اعترته شائبة نقص لم يصح كونه إلها.
ولما أخبر أنهم كفروا ، وأشار إلى نقض قولهم ، كان أنسب الأشياء بعده أن يعطف عليه ترهيبهم ثم ترغيبهم فقال تعالى : (وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا) أي الكفرة بجميع أصنافهم (عَمَّا يَقُولُونَ) أي من هاتين المقالتين وما داناهما (لَيَمَسَّنَ) أي مباشرة من
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
