بقوله مبدلا من تلك النتيجة نتيجة أخرى : (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا) بجرأة على الكلام المتناقض وعدم حياء (إِنَّ اللهَ) أي على ما له من العظمة التي منها الغنى المطلق (ثالِثُ) أي واحد (ثَلاثَةٍ) أي كلهم آلهة ، وأما القائل بأنه ثالث بالعلم فلا يكفر.
ولما أعلم بكفرهم ، أشار إلى إبطاله كما أشار إلى إبطال الأول كما سلف بما لا يخفى على أحد ، تحقيقا لتلبسهم بمعنى الكفر الذي هو ستر ما هو ظاهر فقال : (وَما) وأغرق في النفي كما هو الحق واقتضاه المقام فقال : (مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ) أي قالوا ذلك والحال أنه لا يصح ولا يتصور في العقل أن يكون الإله متعددا لا تحقيقا ولا تقديرا بوجه من الوجوه ، لا يكون إلا واحدا بكل اعتبار ، وهو الله تعالى لا غيره ، وقد بين عيسى عليهالسلام في الإنجيل الذي بين أظهرهم أنه لا يصح أن يكون الإله إلا واحدا ـ بالمعتمد من أدلة ذلك عند محققي أهل الأصول وهو برهان التمانع المشار إليه في كتابنا بقوله تعالى (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتا) [الأنبياء : ٢٢] فقال مترجمهم في إنجيل متى : حينئذ أتى إليه ـ أي عيسى عليهالسلام ـ بأعمى أخرس له شيطان ، فأبرأه حتى أنه تكلم وأبصر ، فبهت الجمع كلهم وقالوا : لعل هذا هو ابن داود! فسمع الفريسيون فقالوا : هذا لا يخرج الشياطين إلا بباعل زبول رئيس الشياطين ، فلما علم مكرهم قال لهم : كل مملكة تنقسم على ذاتها تخرب ، وكل مدينة أو بيت ينقسم لا يثبت ، فإن كان الشيطان يخرج الشيطان فقد انقسم فكيف يقوم ملكه؟ فإن كنت أنا أخرج الشياطين بباعل زبول فأبناؤكم بما تخرجونهم! من أجل هذا هم يكونون عليكم ، وإن كنت أنا بروح الله أخرج الشياطين فقد قربت منكم ملكوت الله ، وكيف يستطيع أحد أن يدخل بيت القوي ويخطف متاعه إلا أن يربط القوي أولا ، حينئذ ينهب بيته. وقال مرقس : وأما الكتبة الذين أتوا من يروشليم فقالوا : إن بعل زبول معه ، وباركون الشياطين يخرج الشياطين ؛ فدعاهم وقال لهم : كيف يقدر شيطان أن يخرج شيطانا! وكل مملكة تنقسم لا تثبت تلك المملكة ، فإذا اختلف أهل البيت لا يثبت ذلك البيت ، وإن كان الشيطان الذي يقاوم بقيته وينقسم فلن يقدر أن يثبت ، لكن له انقضاء ، لا يقدر أحد أن يدخل بيت القوي وينتهب بيته إلا أن يربطه أولا ، وينتهب متاعه ، الحق أقول لكم! إن كل شيء يغفر لبني الناس من الخطايا والتجديف الذي يجدفونه ، والمجدفين على روح القدس ليس يغفر لهم إلى الأبد ، بل يحل بهم العقاب الدائم ، لأنهم يقولون : إن معه روحا نجسا. قال متى : من ليس معي فهو عليّ ، ومن لا يجمع معي فهو يفرق ، من أجل هذا أقول لكم : إن كل خطيئة وتجديف يترك للناس ، والتجديف على روح القدس لا يترك ، ومن يقل كلمة على ابن الإنسان يترك له ، والذي يقول على روح
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
