وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ) [الإسراء : ٢٩] ولم يقصد من ذلك غير الجود وضده ، لا غل ولا عنق ولا بسط أصلا ، بل صار هذا الكلام عبارة عما وقع مجازا عنه ، كأنهما متعقبان على معنى واحد ، حتى لو جاد الأقطع إلى المنكب لقيل له ذلك ، ومثل هذا كثير في الكتاب والسنة ، منه الاستواء «وقالت : في السماء» (١) المراد منه ـ كما قاله العلماء ـ أنه ليس مما يعبده المشركون من الأوثان ، قال في الكشاف : ومن لم ينظر في علم البيان عمي عن تبصر محجة الصواب في تأويل أمثال هذه الآية ، ولم يتخلص عن يد الطاعن إذا عبثت به.
ولما نطقوا بهذه الكلمة الشنعاء ، وفاهوا بتلك الداهية الدهياء ، أخبر عما جازاهم به سبحانه على صورة ما كان العرب يقابلون به من يستحق الهلاك من الدعاء ، فقال معبرا بالمبني للمفعول إفادة لتحتم الوقوع وتعليما لنا كيف ندعو عليهم ، ولم يسببه عما قبله بالفاء تقوية له على تقدير سؤال سائل : (غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ) دعاء مقبولا وخبرا صادقا ، عن كل خير ، فلا تكاد تجد فيهم كريما ولا شجاعا ولا حاذقا في فن ، وإن كان ذلك لم تظهر له ثمرة (وَلُعِنُوا) أي أبعدوا مطرودين عن الجناب الكريم (بِما قالُوا) والمعنى أنهم كما رأوا أحوال المنافقين المقضي في التوراة بأنها إثم وأقروا عليها ، فكذلك نطق بعضهم بكلمة الكفر التي لا أفظع منها ، وسكت عليه الباقون فشاركوه ، ولما كان الغل كناية عن البخل وعدم الإنفاق ، وكان الدعاء بغلهم ولعنهم متضمنا أن الأمر ليس كما قالوا ، ترجمه سبحانه بقوله : (بَلْ يَداهُ) وهو منزه عن الجارحة وعن كل ما يدخل تحت الوهم (مَبْسُوطَتانِ) مشيرا بالتثنية إلى غاية الجود ، ليكون رد قولهم وإنكاره بأبلغ ما يكون في قطع تعنتهم وتكذيب قولهم.
ولما كان معنى هذا إثبات ما نفوه على أبلغ الأحوال ، قال مصرحا بالمقصود معرفا أنه في إنفاقه مختار فلا غرو أن يبسط لبعض دون بعض : (يُنْفِقُ) ولما كان إنفاقه سبحانه تحقيقا للاختيار على أحوال متباينة بحيث إنها تفوت الحصر ، أشار إلى التعجيب
__________________
(١) صحيح. يشير لحديث معاوية بن الحكم السلمي قال : «كانت لي غنيمات ترعاها جارية لي في قبل أحد والجوانية ، فاطلعت عليها ذات يوم ، وقد ذهب الذئب منها بشاة ، وأنا من بني آدم آسف كما يأسفون ، فصككتها صكة ، فعظم ذلك عليّ ، فأتيت رسول الله صلىاللهعليهوسلم فقلت : أفلا أعتقها؟ قال : ائتني بها فأتيته بها فقال : أين الله؟ قالت : في السماء. قال : من أنا؟ قالت : أنت رسول الله صلىاللهعليهوسلم. قال : أعتقها ، فإنها مؤمنة». أخرجه مسلم ٥٣٧ وأبو داود ٩٣٠ والنسائي ٣ / ١٤ وفي الكبرى ١١٤١ ، ٨٥٨٩ وابن حبان ١٦٥ ومالك ٣ / ٥ ، ٦ والطيالسي ١١٠٥ وابن أبي شيبة ١١ / ٩ ، ٢٠ وأحمد ٥ / ٤٤٧ ، ٤٤٨ وابن الجارود ٢١٢ والطبراني في الكبير ١٩ / (٩٣٨).
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
