في آخر الزمان حتى يقول الحجر : يا مسلم! خلفي يهودي فاقتله ، حتى لا يبقى منهم إلا من يستره شجر الفرقد» كما قال صلىاللهعليهوسلم : «إنه من شجرهم» (١) وفي إفهامه أن طائفة من أهل الإنجيل يقومون بحقه ، فيكونون ممن تشملهم نصرة الله سبحانه وتعالى مع المسلمين ، فتنتسق الملة واحدة مما يقع من الاجتماع حين تضع الحرب أوزارها ـ انتهى.
ولما كان من المعلوم أن ثبات الأعمال وزكاءها إنما هو باتباع أمر الله سبحانه وتعالى وأمر رسوله صلىاللهعليهوسلم وأمر الذين ورثوا العلم عنه دل على ما أخبر به من الحبوط وعدم النصر بما يشاهد من أحوالهم في منابذة الدين فقال : (أَلَمْ تَرَ) وكان الموضع لأن يقال : إليهم ، ولكنه قال : (إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ) ليدل على أن ضلالهم على علم ، وأن الذي أوتوه منه قراءتهم له بألسنتهم وادعاء الإيمان به. وقال الحرالي : كتابهم الخاص بهم نصيب من الكتاب الجامع ، وما أخذوا من كتابهم نصيب من اختصاصه ، فإنهم لو استوفوا حظهم منه لما عدلوا في الحكم عنه ولرضوا به ، وكان في هذا التعجيب أن يكون غيرهم يرضى بحكم كتابهم ثم لا يرضون هم به ـ انتهى. (يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللهِ) أظهر الاسم الشريف ولم يقل : إلى كتابهم ، احترازا عما غيروا وبدلوا ولأنهم إنما دعوا إلى كتاب الله الذي أنزل على موسى عليه الصلاة والسّلام ، لا إلى ما عساه أن يكون بأيديهم مما غيروا ـ نبه عليه الحرالي. وفيه أيضا إشارة إلى عظيم اجترائهم بتوليهم عمن له الإحاطة الكاملة (لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ) قال الحرالي : في إشعاره أن طائفة منهم على حق منه ، أي وهم المذعنون لذلك الحكم الذي دعي إليه ـ انتهى.
ولما كان اتباعه واجبا واضحا نفعه لمن جرد نفسه عن الهوى عبر عن مخالفته بأداة البعد فقال : (ثُمَ) وقال الحرالي : في إمهاله ما يدل على تلددهم وتبلدهم في ذلك بما يوقعه الله من المقت والتحير على من دعي إلى حق فأباه ، وفي صيغة يتفعل في قوله : (يَتَوَلَّى) ما يناسب معنى ذلك في تكلف التولي على انجذاب من بواطنهم لما عرفوه وكتموه ، وصرح قوله : (فَرِيقٌ مِنْهُمْ) بما أفهمه ما تقدم من قوله : (لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ) فأفهم أن طائفة منهم ثابتون قائلون لحكم كتاب الله تعالى ، وأنبأ قوله المشير إلى
__________________
(١) صحيح. أخرجه البخاري ٢٩٢٦ ومسلم ٢٩٢٢ كلاهما من حديث أبي هريرة اللفظ لمسلم وأخرجه أيضا البخاري ٢٩٢٥ ومسلم ٢٩٢١ والترمذي ٢٢٣٦ وعبد الرزاق ٢٠٨٣٧ وابن حبان ٦٨٠٦ وأحمد ٢ / ١٢٢ كلهم من حديث ابن عمر لكن دون ذكر شجر الفرقد.
وأخرجه ابن ماجه ٤٠٧٧ من حديث أبي أمامة مطوّلا بمعناه وفيه : «فيهزم الله اليهود ، فلا يبقى مما خلق الله يتوارى به يهودي إلا أنطق الله ذلك الشيء لا حجر ولا شجر ولا حائط ولا دابة ، إلا الفرقدة فإنها من شجرهم لا تنطق».
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
