مبرؤون من أن يكون لأحد قبلهم حق دنيوي أو أخروي قال : (بِغَيْرِ حَقٍ) أي لا صغير ولا كبير في نفس الأمر ولا في اعتقادهم ، فهو أبلغ مما في البقرة على عادة أفعال الحكماء في الابتداء بالأخف فالأخف. ولما خص ذكر أكمل الخلق عبر بما يعم أتباعهم فقال معيدا للفعل زيادة في لومهم وتقريعهم : (وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ) أي العدل ، ولما كان ذلك شاملا لمن لا قدرة لهم على قتله من الملائكة قال : (مِنَ النَّاسِ) أي كلهم ، سواء كانوا أنبياء أو لا ، ويجوز أن يكون المراد بهذا القيد زيادة توبيخهم بأنهم يقتلون جنسهم الذي من حقهم أن يألفوه ويسعوا في بقائه ، وهذا تحقيق لأن قتلهم لمجرد العدوان قال الحرالي : فيه إعلام بتمادي تسلطهم على أهل الخير من الملوك والرؤساء ، فكان في طيه إلاحة لما استعملوا فيه من علم التطبب ومخالطتهم رؤساء الناس بالطب الذي توسل كثير منهم إلى قتلهم به عمدا وخطأ ، ليجري ذلك على أيديهم خفية في هذه الأمة نظير ما جرى على أيدي أسلافهم في قتل الأنبياء جهرة ـ انتهى. ويجوز أن يكون الخبر عنهم محذوفا والتقدير : أنهم مطبوع على قلوبهم ، أو : لا يؤمنون ، أو : لا يزالون يجادلونك وينازعونك ويبغون لك الغوائل (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ) أي اجعل إخبارهم بأنه لهم موضع البشارة ، فهو من وادي : تحيتهم بينهم ضرب وجيع.
ولما كان الحال ربما اقتضى أن يقال من بعض أهل الضلال : إن لهؤلاء أعمالا حسانا واجتهادات في الطاعة عظيمة ، بيّن تعالى أن تلك الأفعال مجرد صور لا معاني لها لتضييع القواعد ، كما أنهم هم أيضا ذوات بغير قلوب ، لتقع المناسبة بين الأعمال والعاملين فقال : (أُولئِكَ) أي البعداء البغضاء (الَّذِينَ حَبِطَتْ) أي فسدت فسقطت ، وأشار بتأنيث الفعل إلى ضعفها من أصلها (أَعْمالُهُمْ) أي كلها الدنياوية والدينية ، وأنبأ تعالى بقوله : (فِي الدُّنْيا) كما قال الحرالي ـ أنهم يتعقبون أعمال خيرهم ببغي يمحوها فلا يطمعون بجزائها في عاجل ولا آجل ، وبذلك تمادى عليهم الذل وقل منهم المهتدي ـ انتهى (وَالْآخِرَةِ) فلا يقيم لهم الله في يوم الدين وزنا ، وأسقط ذكر الحياة إشارة إلى أنه لا حياة لهم في واحدة من الدارين.
ولما كان التقدير : فلا ينتصرون بأنفسهم أصلا ، فإنهم لا يدبرون تدبيرا إلا كان فيه تدميرهم ، عطف عليه قوله : (وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ) قال الحرالي : فيه إعلام بوقوع الغلبة عليهم غلبة لا نصرة لهم فيها في يوم النصر الموعود في سورة الروم التي هي تفصيل من معنى هذه السورة في قوله تعالى : (وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ) [الروم : ٤ ، ٥] فهم غير داخلين فيمن ينصر بما قد ورد أنهم «يقتلون
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
