كثرة أفراد هذا الفريق : (وَهُمْ مُعْرِضُونَ) بما سلبوه من ذلك التردد والتكلف ، فصار وصفا لهم بعد أن كان تعملا ، ما أنكر منكر حقا وهو يعلمه إلا سلبه الله تعالى علمه حتى يصير إنكاره له بصورة وبوصف من لم يكن قط علمه ـ انتهى.
وفي هذا تحذير لهذه الأمة من الوقوع في مثل ذلك ولو بأن يدعى أحدهم من حسن إلى أحسن منه ـ نبه عليه الحرالي وقال : إذ ليس المقصود حكاية ما مضى فقط ولا ما هو كائن فحسب ، بل خطاب القرآن قائم دائم ماض كلية خطابه في غابر اليوم المحمدي مع من يناسب أحوال من تقدم منهم ، وفي حق المرء مع نفسه في أوقات مختلفة ـ انتهى. ثم علل اجتراءهم على الله تعالى فقال : (ذلِكَ) أي الإعراض البعيد عن أفعال أهل الكرم المبعد من الله (بِأَنَّهُمْ قالُوا) كذبا على الله ـ كما تقدم بيانه في سورة البقرة (لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً) ولما كان المقام هنا لتناهي اجترائهم على العظائم لاستهانتهم بالعذاب لاستقصارهم لمدته والتصريح بقتل الآمرين بالقسط عامة وبحبوط الأعمال ، وكان جمع القلة قد يستعار للكثرة أكدت إرادتهم حقيقة القلة بجمع آخر للقلة ، فقيل على ما هو الأولى من وصف جمع القلة لما لا يعقل بجمع جبرا له : (مَعْدُوداتٍ) وتطاول الزمان وهم على هذا الباطل حتى آنسوا به واطمأنوا إليه لأنه ما كذب أحد بحق إلا عوقب بتصديقه بباطل ، وما ترك قوم سنة إلا أحيوا بدعة ، على أن كذبهم أيضا جرهم إلى الاستهانة بعذاب الله الذي لا يستهان بشيء منه ولو قل. ولما نسبوا ذلك إلى الكتاب فجعلوه دينا قال : (وَغَرَّهُمْ) قال الحرالي : من الغرور وهو إخفاء الخدعة في صورة النصيحة ـ انتهى. (فِي دِينِهِمْ ما كانُوا) أي بما هيؤوا له وجبلوا عليه (يَفْتَرُونَ) أي يتعمدون كذبه ، قال الحرالي : فتقابل التعجيبات في ردهم حق الله سبحانه وتعالى وسكونهم إلى باطلهم ـ انتهى.
ولما تسبب عن اجترائهم بالكذب على الله أن يسأل عن حالهم معه قال صارفا القول إلى مظهر العظمة المقتضي للمجازاة والمناقشة : (فَكَيْفَ) أي يكون حالهم (إِذا جَمَعْناهُمْ) أي وقد رفعنا حجاب العظمة وشهرنا سيف العزة والسطوة. ولما كان المقصود بالجمع الجزاء قال : (لِيَوْمٍ) ووصفه بقوله : (لا رَيْبَ فِيهِ) مشعر ـ كما قال الحرالي ـ بأنهم ليسوا على طمأنينة في باطلهم بمنزلة الذي لم يكن له أصل كتاب ، فهم في ريبهم يترددون إلى أن يأتي ذلك اليوم.
ولما كان الجزاء أمرا متحققا لا بد منه أشار إليه بصيغة الماضي في قوله : (وَوُفِّيَتْ) والبناء للمفعول للإفهام بسهولة ذلك عليه وإن كان يفوت الحصر ، وتأنيث الفعل للإشارة إلى دناءة النفوس وضعفها ، وقوله : (كُلُّ نَفْسٍ) قال الحرالي : الفصل
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
