لأن الذهب الخالص يكون لينا ، والمغشوش يكون فيه يبس وصلابة ، وكل لين قابل للصلاح بسهولة ، ثم بين قساوتها بما دل على نقضهم بقوله : (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ) أي يجددون كل وقت تحريفه (عَنْ مَواضِعِهِ) فإنهم كلما وجدوا شيئا من كلام الله يشهد بضلالهم حرفوه إلى شهواتهم ، وأولوه التأويل الباطل بأهوائهم ، فهم يحرفون الكلم ومعانيها.
ولما كانوا قد تركوا أصلا ورأسا ما لا يقدرون لصراحته على تحريفه ، قال معبرا بالماضي إعلاما بحرمهم بالبراءة من ذلك : (وَنَسُوا حَظًّا) أي نصيبا نافعا معليا لهم (مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ) أي من التوراة على ألسنة أنبيائهم عيسى ومن قبله عليهمالسلام ، تركوه ترك الناسي للشيء لقلة مبالاته به بحيث لم يكن لهم رجوع إليه ، وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال : قد ينسى المرء بعض العلم بالمعصية وتلا هذه الآية.
ولما ذكر سبحانه ما يفعلونه في حقه في كلامه الذي هو صفته ، أتبعه ما يعم حقه وحق نبيه صلىاللهعليهوسلم على وجه معلم أن الخيانة ديدنهم ، تسلية له صلىاللهعليهوسلم فقال : (وَلا تَزالُ) أي بما نطلعك عليه يا أكرم الخلق! (تَطَّلِعُ) أي تظهر ظهورا بليغا (عَلى خائِنَةٍ) أي خيانة عظيمة تستحق أن تسمي فاعلها الخؤون لشدتها و (مِنْهُمْ) أي في حقك بقصد الأذى ، وفي حق الله تعالى بإخفاء بعض ما شرعه لهم (إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ) فإنهم يكونون على نهج الاستقامة إما بالإيمان ، وإما بالوفاء وهم متمسكون بالكفر ، ثم سبب عن هذا الذي في حقه صلىاللهعليهوسلم قوله : (فَاعْفُ عَنْهُمْ) أي امح ذنبهم ذلك الذي اجترحوه ، وهو دون النقض والتحريف فلا تعاقبهم عليه.
ولما كان العفو لا يمنع المعاتبة قال : (وَاصْفَحْ) أي وأعرض عن ذلك أصلا ورأسا ، فلا تعاتبهم عليه كما لم تعاقبهم ، فإن ذلك إحسان منك ، وإذا أحسنت أحبك الله (إِنَّ اللهَ) أي الذي له جميع صفات الكمال (يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) وذلك ـ كما روى الشيخان وغيرهما عن عائشة رضي الله عنهما ـ أن النبي صلىاللهعليهوسلم سحره رجل من اليهود يقال له لبيد بن الأعصم (١) وفي رواية للبخاري : إنه رجل من بني زريق حليف ليهود وكان منافقا ـ حتى كان يخيل إليه أنه يأتي النساء ولا يأتيهن ، وذلك أشد السحر ، ثم إن الله تعالى شفاه وأعلمه أن السحر في بئر ذروان ، فقالت له عائشة رضي الله عنها : أفلا
__________________
(١) صحيح. أخرجه النسائي في الكبرى ٣٥٤٣ وفي الصغرى ٧ / ١١٢ ، ١١٣ والطبراني في الكبير ٥ / (٥٠١١ ، ٥٠١٦) وأحمد ٤ / ٣٦٧ كلهم من حديث زيد بن أرقم. وقال الهيثمي في المجمع ٦ / ٢٨١ : رواه الطبراني بأسانيد ورجال أحدها رجال الصحيح. وقد تقدم من حديث عائشة في سورة البقرة. رواه الشيخان.
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
