قوله آمرا بعد النهي تأكيدا لأمر العدل : (اعْدِلُوا) أي تحروا العدل واقصدوه في كل شيء حتى في هذه الزوجات وفيمن يجاوز فيكم الحدود ، فكلما عصوا الله فيكم أطيعوه فيهم ، فإن الذي منعكم من التجاوز خوفه يريكم من النصرة وصلاح الحال ما يسركم.
ولما كان ترك قصد العدل قد يقع لصاحبه العدل اتفاقا ، فيكون قريبا من التقوى ، قال مستأنفا ومعللا : (هُوَ) أي قصد العدل (أَقْرَبُ) أي من ترك قصده (لِلتَّقْوى) والإحسان الذي يتضمنه الصلح أقرب من العدل إليها ، وتعدية (أَقْرَبُ) باللام دون إلى المقتضية لنوع بعد زيادة في الترغيب ـ كما مر في البقرة ؛ ولما كان الشيء لا يكون إلا بمقدماته ، وكان قد علم من هذا أن العدل مقدمة التقوى ، قال عاطفا على النهي أو على نحو : فاعدلوا : (وَاتَّقُوا اللهَ) أي اجعلوا بينكم وبين غضب الملك الأعظم وقاية بالإحسان فضلا عن العدل ، ويؤيد كون الآية ناظرة إلى النكاح مع ما ذكر ختام آية الشقاق التي في أول النساء بقوله (إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً) [النساء : ٣٥] ، وختام قوله تعالى في أواخرها وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو اعراضا بقوله (فَإِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً) وختام هذه بقوله معللا لما قبله : (إِنَّ اللهَ) أي المحيط بصفات الكمال (خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ) لأن ما بين الزوجين ربما دق علمه عن إدراك غير العليم الخبير ؛ وقال أبو حيان : لما كان الشنآن محله القلب ، وهو الحامل على ترك العدل ، أمر بالتقوى وأتى بصفة (خَبِيرٌ) ومعناها عليم ولكنها مما تختص بما لطف إدراكه انتهى. و (شُهَداءَ) يمكن أن يكون من الشهادة التي هي حضور القلب ـ كما تقدم من قوله (أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ) [ق : ٣٧] وأن يكون من الشهادة المتعارفة ، ويوضح المناسبة فيها مع تأييد إرادتها كونها بعد قوله (إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ) [آل عمران : ١١٩] ومع قوله تعالى : (وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ) [البقرة : ٢٨٣] وختام آية النساء التي في الشهادة بقوله : (وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً) [النساء : ١٣٥] كما ختمت هذه بمثل ذلك.
(وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (١٠) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١) وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً وَقالَ اللهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
