عمرو أخا بني ساعدة ، وكلاهما كان نقيبا ، فأما المنذر فأعجزهم ، وأما سعد فأخذوه فربطوه وأقبلوا يضربونه ، حتى خلصه الله منهم بجبير بن مطعم والحارث بن حرب بن أمية بما كان بينه وبينهما من الجوار ، فكان في سوق الآية بعد آية الميثاق الذي أعظمه ما كان ليلة العقبة أعظم مذكر بذلك (فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ) أي مع قلتكم وكثرتهم وضعفكم وقوتهم ، ولم يكن لكم ناصر إلا الذي آمنتم به تلك الليلة وتوكلتم عليه وبايعتم رسوله ، فكف ببعض الأعداء عنكم أيدي بعض ، ولو شاء لسلطهم عليكم كما سلط ابن آدم على أخيه ؛ وينبغي أن يعلم أن القصة التي عزيت في بعض التفاسير هنا إلى بني قريظة في الاستعانة في دية القتيلين إنما هي لبني النضير ، وهي كانت سبب إجلائهم (١).
ولما أمرهم بذكر النعمة ، عطف على ذلك الأمر الأمر بالخوف من المنعم أن يبدل نعمته بنقمة فقال : (وَاتَّقُوا اللهَ) أي الملك الذي لا يطاق انتقامه لأنه لا كفوء له ، حذرا من أن يسلط عليكم أعداءكم ومن غير ذلك من سطواته.
ولما كان التقدير : على الله وحده في كل حالة فتوكلوا ، فإنه جدير بنصر من انقطع إليه ولم يعتمد إلا عليه ، عطف على ذلك قوله تعميما وتعليقا للحكم بالوصف : (وَعَلَى اللهِ) أي وحده لكونه لا مثل له (فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) أي في كل وقت فإنه يمنعهم إذا شاء كهذا المنع وإن اشتد الخطب وتعاظم الأمر ، فتوكلوا ولا تنكلوا عن أعدائكم الذين وعدكم الله أرضهم وديارهم وأبناءهم وتهابوا جموعهم كما هاب بنو إسرائيل ـ كما سيقص عليكم ، وقوله هنا (الْمُؤْمِنُونَ) وفي قصة بني إسرائيل (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) شديد التآخي ، معلم بمقامي الفريقين ، وحينئذ حسن كل الحسن تعقيبها مع ما
__________________
(١) يشير المصنف لحديث عبد الله بن أبي بكر قال : «خرج رسول الله صلىاللهعليهوسلم إلى بني النضير ليستعينهم في على دية العامريين اللذين قتلهما عمرو بن أمية العمري ، فما جاءهم خلا بعضهم ببعض فقالوا : إنكم لن تجدوا محمدا أقرب منه الآن! فمن رجل يظهر على هذا البيت ، فيطرح عليه صخرة ، فيريحنا منه؟ فقال عمرو بن جحاش بن كعب : أنا. فأتى رسول الله صلىاللهعليهوسلم الخبر ، وانصرف عنهم ، فأنزل الله عز ذكره فيهم ، وفيما أراد هو وقومه : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ ....) أخرجه الطبري ١١٥٦٠ هكذا وابن إسحاق وابن المنذر كما في الدر المنثور ٢ / ٢٦٦ كلهم عن عاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبي بكر. وورد بنحوه عن ابن عباس أخرجه أبو نعيم في الدلائل كما في الدر المنثور ٢ / ٢٦٥ ، ٢٦٦ من طريقين. وذكره الواحدي في أسبابه ص ١٤٣ بلا سند وعزاه لمجاهد وعكرمة والكلبي. وأخرجه ابن هشام في المغازي ٣ / ١١٩ باب إجلاء بني النضر وعنون به البخاري في الفتح ٧ / ٣٢٩ بقوله : باب حديث بني النضير ومخرج رسول الله صلىاللهعليهوسلم في دية الرجلين ، وما أرادوا من الغدر برسول الله صلىاللهعليهوسلم ا ه. وقد تقدم الكلام على هذا في سورة البقرة.
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
