إنما يتوقف على ثبوت الدليل ، فإذا تم الدليل كانت المطالبة بدليل آخر طلبا للزيادة وإظهارا للتعنت واللجاج ـ والله سبحانه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.
ولما كان مقام الإيحاء ـ وهو الأنبياء ـ من قبل الله تعالى قال : (وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ) أي فهم يعلمون ذلك بما لهم من الرسوخ في العلم وطهارة الأوصاف ، ولا يشكون في أن الكل من مشكاة واحدة ، مع أن هذا الكتاب أبلغ ، والتعبير فيه عن المقاصد أجلى وأجمع ، فهم إليه أميل ، وله أقبل ، وأما المطبوع على قلوبهم ، الممنوعون من رسوخ العلم فيها بكثافة الحجاب ، حتى أنها لا تنظر إلى أسراره إلا من وراء غشاء ، فهم غير قابلين لنور العلم المتهيىء للإيمان ، فأسرعوا إلى الكفر ، وبادروا بالذل والصغار ، وفي الآخرة بالسخط والنار.
ولما أجمل تعالى ذكر النبيين فصّل فقال منبها على شرف من ذكرهم وشهرتهم : (وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ) أي أبيكم وأبيهم كذلك (وَإِسْماعِيلَ) أي ابنه الأكبر الذي هو أبوكم دونهم (وَإِسْحاقَ) وهو ابنه الثاني وأبوهم (وَيَعْقُوبَ) أي ابن إسحاق (وَالْأَسْباطِ) أي أولاد يعقوب.
ولما أجمل بذكر الأسباط بعد تفصيل من قبلهم فصّل من بعدهم فقال : (وَعِيسى) أي الذي هو آخرهم من ذرية يعقوب (وَأَيُّوبَ) وهو من ذرية عيصو بن إسحاق على ما ذكروا (وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ) ولما كان المقام للتعظيم بالوحي ، وكان داود عليه الصلاة والسّلام من أهل الكتاب قال : (وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً) أي وهم يدعون الإيمان به مع اعترافهم بأنه لم ينزل جملة ولا مكتوبا من السماء.
ولما تم ما اقتضاه مقام النبوة ، وكان فيهم رسل ، وكان ربما قال متعنت : إن شأن الرسل غير شأن الأنبياء في الوحي ، قال عاطفا على ما تقديره من معنى «أوحينا» : أرسلنا من شئنا من هؤلاء الذين قصصناهم عليك هنا إلى من شئنا من الناس : (وَرُسُلاً) أي غير هؤلاء (قَدْ قَصَصْناهُمْ) أي تلونا ذكرهم (عَلَيْكَ) ولما كان القص عليه غير مستغرق للزمان الماضي قال : (مِنْ قَبْلُ) أي من قبل إنزال هذه الآية (وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ) أي إلى الآن.
ولما كان المراد أنه لا فرق بين النبي والرسول في الوحي ، نبه على ذلك بقوله : (وَكَلَّمَ اللهُ) أي الذي له الكمال كله ، فهو يفعل ما يريد ، لا أمر لأحد معه (مُوسى تَكْلِيماً) أي على التدرج شيئا فشيئا بحسب المصالح من غير واسطة ملك ، فلا فرق في الوحي بين ما كان بواسطة وبين ما كان بلا واسطة ، والمعنى أنكم لو كنتم إنما
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
