ولما كانت الصلاة أعظم دعائم الدين ، ولذلك كانت ناهية عن الفحشاء والمنكر ، نصبت على المدح من بين هذه المرفوعات إظهارا لفضلها فقال تعالى : (وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ) أي بفعلها بجميع حدودها ، ويجوز على بعد أن يكون المقتضي لنصبها جعل «لكن» بالنسبة إليها بمعنى «إلا» وتضمينها لفظها ، لما بينهما من التآخي ، فيكون المعنى أنهم مستثنون ممن أعد لهم العذاب الأليم على معنى أن الله سبحانه وتعالى ـ وهو الفاعل المختار ـ سبق علمه بأن مقيم الصلاة بجميع حدودها لا يموت كما يموت كافر ، بل تناله بركتها فيسلم ، وهذا أعظم مدح لها ، والحاصل أن (لكن) استعيرت لمعنى (إلا) بجامع أن ما بعد كل منهما مخالف في الحكم لما قبله ، كما استعيرت «إلا» لمعنى «لكن» في الاستثناء المنقطع.
ولما كان الرجوع بما بعدها إلى الأسلوب الماضي أبين في مدحها قال : (وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ) ولما ذكر أنهم جمعوا إلى صلة الخالق الإحسان إلى الخلائق ذكر الإيمان بانيا على عظمته مفصلا له بعض التفصيل ومشيرا إلى أن نفعه كما يشترط أن يكون فاتحا يشترط أن يكون خاتما فقال : (وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللهِ) أي مستحضرين ما له من صفات الكمال ، وضم إليه الحامل على كل خير والمقعد عن كل شر ترغيبا وترهيبا فقال : (وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) فصار الإيمان مذكورا خمس مرات ، فإن هذه الأوصاف لموصوف واحد عطفت بالواو تفخيما لها وإشارة إلى أن وصف الرسوخ في العلم مقتض لأنهم في الذروة من كل وصف منها ، والاتصاف بكل منها يتضمن الإيمان بيوم الدين ، فإنه لا يمدح أحد اتصف بشيء منها عريا عن الإيمان به ، لا جرم نبه على فخامة أمرهم وعلو شأنهم بأداة البعد فقال : (أُولئِكَ) أي العالو الرتبة والهمم ، ولكون السياق في الراسخين العاملين أنهى في التأكيد بالسين لأن المكر هنا أقل منه في الأولى ، ولم يعرف الأجر ، ووصفه بالعظم فقال : (سَنُؤْتِيهِمْ) أي بعظمتنا الباهرة بوعد لا خلف فيه (أَجْراً عَظِيماً).
ولما كانت هذه الأوصاف منطبقة على الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام ، وكان من أحوالهم الوحي ، قال تعالى إبطالا لشبهتهم القائلة : لو كان نبيا أتى بكتابه جملة من السماء كما أتى موسى عليه الصلاة والسّلام بالتوراة كذلك ، بإقرارهم بنبوة هؤلاء الأنبياء عليهمالسلام مع كونهم ليس لهم تلك الصفة ، ولم يكن ذلك قادحا في نبوة أحد منهم ولا رسالته : (إِنَّا) ويصح أن يكون هذا تعليلا ليؤمنون ، أي إنهم آمنوا بما أنزل إليك لأنا (أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما) أي مثل ما (أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ) وقد آمنوا بما به لما أتى به من المعجز الموجب للإيمان من غير توقف على معجز آخر ولا غيره ، لأن إثبات المدلول
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
