الجدوى ، فقال سبحانه وتعالى معجبا منهم بما هو كالتعليل لما قبله : (يَسْتَخْفُونَ) أي هؤلاء الخونة : طعمة ومن مالأه وهو يعلم باطن أمره (مِنَ النَّاسِ) حياء منهم وخوفا من أن يضروهم لمشاهدتهم لهم وقوفا مع الوهم كالبهائم (وَلا يَسْتَخْفُونَ) أي يطلبون ويوجدون الخفية بعدم الخيانة (مِنَ اللهِ) أي الذي لا شيء أظهر منه لما له من صفات الكمال (وَهُوَ) أي والحال أنه (مَعَهُمْ) لا يغيب عنه شيء من أحوالهم ، ولا يعجزه شيء من نكالهم ، فالاستخفاء منه لا يكون إلا بترك الخيانة ومحض الإخلاص ، فواسوأتاه من أغلب الأفعال والأقوال والأحوال! (إِذْ) أي حين (يُبَيِّتُونَ) أي يرتبون ليلا على طريق الإمعان في الفكر والإتقان للرأي (ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ) أي من البهت والحلف عليه ، فلا يستحيون منه ولا يخافون ، لاستيلاء الجهل والغفلة على قلوبهم وعدم إيمانهم بالغيب.
ولما أثبت علمه سبحانه وتعالى بهذا من حالهم عمم فقال : (وَكانَ اللهُ) أي الذي كل شيء في قبضته لأنه الواحد الذي لا كفوء له (بِما يَعْمَلُونَ) أي من هذا وغيره (مُحِيطاً) أي علما وقدرة.
ولما وبخهم سبحانه وتعالى على جهلهم ، حذر من مناصرتهم فقال مبينا أنها لا تجديهم شيئا ، مخوفا لهم جدا بالمواجهة بمثل هذا التنبيه والخطاب ثم الإشارة بعده : (ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ) وزاد في الترهيب للتعيين بما هو من الجدل الذي هو أشد الخصومة ـ من جدل الحبل الذي هو شدة فتله ـ وإظهاره في صيغة المفاعلة ، فقال مبينا لأن المراد من الجملة السابقة التهديد : (جادَلْتُمْ عَنْهُمْ) في هذه الواقعة أو غيرها (فِي الْحَياةِ الدُّنْيا) أي بما جعل لكم من الأسباب.
ولما حذرهم وبخهم على قلة فطنتهم وزيادة في التحذير بأن مجادلتهم هذه سبب لوقوع الحكومة بين يديه سبحانه وتعالى فقال : (فَمَنْ يُجادِلُ اللهَ) أي الذي له الجلال كله (عَنْهُمْ) أي حين تنقطع الأسباب (يَوْمَ الْقِيامَةِ) ولا يفترق الحال في هذا بين أن تكون (ها) من (ها أَنْتُمْ) للتنبيه أو بدلا عن همزة استفهام ـ على ما تقدم ، فإن معنى الإنكار هنا واضح على كلا الأمرين.
ولما كان من أعظم المحاسن كف الإنسان عما لا علم له به ، عطف على الجملة من أولها من غير تقييد بيوم القيامة منبها على قبح المجادلة عنهم بقصور علم الخلائق قوله : (أَمْ مَنْ يَكُونُ) أي فيما يأتي من الزمان (عَلَيْهِمْ وَكِيلاً) أي يعلم منهم ما يعلم الله سبحانه وتعالى بأن يحصي أعمالهم فلا يغيب عنه منها شيء ليجادل الله عنهم ، فيثبت لهم ما قارفوه ، وينفي عنهم ما لم يلابسوه ويرعاهم ويحفظهم مما يأتيهم به القدر من الضرر والكدر.
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
