معصوم منه ، ولكن عن مقام عال تام للارتقاء إلى أعلى منه وأتم ؛ وقد روى الترمذي سبب نزول هذه الآيات إلى قوله تعالى (فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً) من وجه مستقص مبين بيانا شافيا وسمى بني أبيرق بشرا وبشيرا ومبشرا ، ولم يذكر طعمة ـ والله سبحانه وتعالى أعلم ، قال : عن قتادة بن النعمان قال : «كان أهل بيت منا يقال لهم بنو أبيرق : بشر وبشير ومبشر ، فكان بشير رجلا منافقا يقول الشعر يهجو به أصحاب رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، ثم ينحله بعض العرب ، ثم يقول : قال فلان كذا وكذا ، فإذا سمع أصحاب رسول الله صلىاللهعليهوسلم ذلك الشعر قالوا : والله ما يقول هذا الشعر إلا هذا الخبيث! قال : وكانوا أهل بيت حاجة وفاقة في الجاهلية والإسلام ، فقدمت ضافطة (١) من الشام ، فابتاع عمي رفاعة بن زيد حملا من الدرمك (٢) فجعله في مشربة له ، وفي المشربة سلاح درع وسيف ، فعدى عليه من تحت البيت فنقبت المشربة ، وأخذ الطعام والسلاح ، فلما أصبح أتاني عمي رفاعة فقال : يا ابن أخي! إنه قد عدى علينا في ليلتنا هذه فنقبت مشربتنا وذهب بطعامنا وسلاحنا ، قال : فتحسسنا في الدار ، فقيل لنا : قد رأينا بني أبيرق استوقدوا في هذه الليلة ، ولا نرى فيما نرى إلا على بعض طعامكم ، قال : وكان بنو أبيرق قالوا ـ ونحن نسأل في الدار ـ ؛ والله ما نرى صاحبكم إلا لبيد بن سهل ـ رجل منا له صلاح وإسلام ، فلما سمع لبيد اخترط سيفه وقال : أنا أسرق! فو الله ليخالطنكم هذا السيف أو لتبينن هذه السرقة! قالوا : إليك عنا أيها الرجل! فما أنت بصاحبها ، فسألنا في الدار حتى لم نشك أنهم أصحابها ، فقال لي عمي : يا ابن أخي! لو أتيت رسول الله صلىاللهعليهوسلم فذكرت ذلك له! قال قتادة : فأتيته ، فقال النبي صلىاللهعليهوسلم : سآمر في ذلك ، فلما سمع بنو أبيرق أتوا رجلا منهم يقال له أسير بن عروة ، فكلموه في ذلك ، فاجتمع في ذلك أناس من أهل الدار فقالوا : يا رسول الله! إن قتادة بن النعمان وعمه عمدا إلى أهل بيت منا أهل إسلام وصلاح ، يرمونهم بالسرقة من غير بينة ولا ثبت! قال قتادة : فأتيت رسول الله صلىاللهعليهوسلم فكلمته ، فقال : عمدت إلى أهل بيت ذكر منهم إسلام وصلاح! ترميهم بالسرقة على غير ثبت وبينة! قال : فقال لي عمي : يا ابن أخي! ما صنعت؟ فأخبرته بما قال لي رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، فقال : الله المستعان! فلم يلبث أن نزل القرآن (إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِ) إلى (خَصِيماً) بني أبيرق ، (وَاسْتَغْفِرِ اللهَ) مما قلت لقتادة ، (إِنَّ اللهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً) إلى قوله : (فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ؛) فلما نزل القرآن أتى رسول الله صلىاللهعليهوسلم بالسلاح
__________________
(١) ضافطة : الضفاط : القوم الذين يجلبون الميرة والطعام إلى المدن وكانوا يومئذ قوما من الأنباط ـ يحملون إلى المدينة الدقيق والزيت وغيره ا ه والضافطة أيضا : الإبل والحمولة.
(٢) الدرمك والدرمق : الدقيق الأبيض.
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
