وميل في (أَنْ تَقْصُرُوا) ولما كان القصر خاصا ببعض الصلوات ، أتى بالجار لذلك ولإفادة أنه في الكم لا في الكيف فقال : (مِنَ الصَّلاةِ) أي فاقصروا إن أردتم وأتموا إن أردتم ، وبينت السنة أعيان الصلوات المقصورات ، وكم يقصر منها من ركعة ، وأن القصر من الكمية لا من الكيفية بالإيماء مثلا في صلاة الخوف بقول عمر رضي الله تعالى عنه ليعلى بن أمية ـ حين قال له : كيف تقصر وقد أمنا ـ : عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله صلىاللهعليهوسلم عن ذلك ـ ، فقال رسول الله صلىاللهعليهوسلم «صدقة تصدق الله بها عليكم ، فاقبلوا صدقته» (١) وهذا هو حقيقة القصر والذي دلت عليه «من» ، وأما الإيماء ونحوه من كيفيات صلاة الخوف فإبدال لا قصر ، والسياق كما ترى مشير إلى شدة الاهتمام بشأنها ، وأنه لا يسقطها عن المكلف شيء ، وقاض بأن المخاطرة بالنفس والمال لا تسقط الجهاد ولا الهجرة إذ الخوف والخطر مبنى أمرهما ومحط قصدهما ، فهذا سر قوله : (إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ) أي يخالطكم مخالطة مزعجة (الَّذِينَ كَفَرُوا) لا أنه شرط في القصر ، كما بينت نفي شرطيته السنة ، والحاصل أن هذا الشرط ذكر لهذا المقصد ، لا لمخالفة المفهوم للمنطوق بشهادة السنة ؛ وقد كانت الصلاة قبل الهجرة ركعتين ركعتين ، فأتمت بعد الهجرة إشارة إلى أن المدينة دار الإقامة وما قبلها كان محل سفر ونقلة ؛ روى الشيخان وأحمد ـ وهذا لفظه ـ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : «فرضت الصلاة ركعتين ركعتين ، فلما قدم رسول الله صلىاللهعليهوسلم المدينة أقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر» (٢).
ولما ذكر الخوف منهم ، علله مشيرا بالإظهار موضع الإضمار ، وباسم الفاعل إلى أن من تلبس بالكفر ساعة ما ، أعرق فيه ، أو إلى أن المجبول على العداوة المشار إليه بلفظ الكون إنما هو الراسخ في الكفر المحكوم بموته عليه فقال : (إِنَّ الْكافِرِينَ) أي الراسخين منهم في الكفر (كانُوا) أي جبلة وطبعا. ولعله أشار إلى أنهم مغلوبون بقوله : (لَكُمْ) دون عليكم (عَدُوًّا) ولما كان العدو مما يستوي فيه الواحد والجمع قال : (مُبِيناً) أي ظاهر العداوة ، يعدون عليكم لقصد الأذى مهما وجدوا لذلك سبيلا ، فربما وجدوا الفرصة في ذلك عند طول الصلاة فلذلك قصرتها ، ولو لا أنها لا رخصة
__________________
(١) صحيح. أخرجه مسلم ٦٨٦ وأبو داود ١١٩٩ و ١٢٠٠ والترمذي ٣٠٣٤ والنسائي ٣ / ١١٦ ـ ١١٧ وابن ماجه ١٠٦٥ والدارمي ١ / ٣٥٤ والطبري ١٠٣١٢ وابن حبان ٢٧٣٩ و ٢٧٤١ والبغوي ١٠٢٤ وابن خزيمة ٩٤٥ وأحمد ١ / ٢٥ كلهم من حديث عمر بن الخطاب.
(٢) صحيح. أخرجه البخاري ٣٥٠ و ١٠٩٠ و ٣٩٣٥ ومسلم ٦٨٥ وأبو داود ١١٩٨ والنسائي ١ / ٢٢٥ ـ ٢٢٦ والدارمي ١ / ٣٥٥ وابن حبان ٢٧٣٦ و ٢٧٣٨ والبيهقي ٣ / ١٤٣ وأحمد ٦ / ٢٣٤ و ٢٧٢ كلهم من حديث عائشة بألفاظ متقاربة.
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
