ولما تحقق أن يوم الجمع كائن لا محالة تحقق أن من نتائجه تحقيقا لعزته سبحانه وتعالى وانتقامه من الكفرة قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) أي الذين يظنون لسترهم ما دلت عليه مرأى عقولهم أنهم يمتنعون من أمر الله لأنهم يفعلون في عصيانه وعداوة أوليائه فعل من يريد المغالبة (لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ) أي وإن كثرت ، وقدمها لأن بها قوام ما بعدها وتمام لذاته ، وأكد بإعادة النافي ليفيد النفي عن كل حالة وعن المجموع فيكون أصرح في المرام (وَلا أَوْلادُهُمْ) وإن جلت وعظمت (مِنَ اللهِ) أي الملك الأعظم (شَيْئاً) أي من إغناء مبتدئا من جهة الله ، وإذا كانت تلك الجهة عارية عما يغني كان كل ما يأتيهم من قبله سبحانه وتعالى من بأس واقعا بهم لا مانع له ، فمهما أراد بهم كان من خذلان في الدنيا وبعث بعد الموت وحشر بعد البعث وعذاب في الآخرة ، فأولئك المعرضون منه لكل بلاء (وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ) وفي ذلك أعظم تنبيه على أن الزائغين الذين خالفوا الراسخين فوقفت بهم نعمه المقتضية لتصديقه عن تصديقه ليست مغنية عنهم تلك النعم شيئا ، وأنهم مغلوبون لا محالة في الدنيا ومحشورون في الآخرة إلى جهنم.
ولما كانت هذه السورة سورة التوحيد كان الأليق بخطابها أن يكون الدعاء فيه إلى الزهد أتم من الدعاء في غيرها ، والإشارة فيه إلى ذلك أكثر من الإشارة في غيره ، فكانت هذه الآية قاطعة للقلوب النيرة بما أشارت إليه من فتنة الأموال والأولاد الموجبة للهلاك. قال الحرالي : ولما كان من مضمون ترجمة سورة البقرة إطلاع النبي صلىاللهعليهوسلم على سر التقدير الذي صرف عن الجواب فيه وإظهار سره موسى كليم الله وعيسى كلمة الله عليهما الصلاة والسّلام كان مما أظهره الله سبحانه وتعالى لعامة أمة محمد صلىاللهعليهوسلم إعلاء لها على كل أمة ، واختصاصا لها بما علا اختصاص نبيها صلىاللهعليهوسلم حتى قال قائلهم : أخبرهم أني بريء منهم وأنهم براء مني ـ لقوم لم يظهروا على سر القدر ، وقال : والذي يحلف به عبد الله بن عمر : لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه ما قبل منه حتى يؤمن بالقدر ، فأفهم الله سبحانه وتعالى علماء هذه الأمة أن أعمالها لا تقبل إلا على معرفة سر التقدير لتكون قلوبها بريئة من أعمال ظواهرها ، كما قيل في أثارة من العلم : من لم يختم عمله بالعلم لم يعمل ، ومن لم يختم علمه بالجهل لم يعلم فختم العامل عمله بالعلم أن يعلم أنه لا عمل له ، وأن المجرى على يديه أمر مقدر قدره الله تعالى عليه وأقامه فيه لما خلقه له من حكمته من وصفه من خير أو شر ومن تمام كلمته في رحمته أو عقوبته ليظهر بذلك حكمة الحكيم ، ولا حجة للعبد على ربه ولا حجة للصنعة على صانعها ـ ولله سبحانه وتعالى الحجة البالغة ؛ وكذلك العالم متى لم ينطو سره على أنه لا يعلم
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
