وإنما العلم عند الله سبحانه وتعالى لم يثبت له علم ، فذلك ختم العمل بالعمل وختم العلم بالجهل ، فكما أطلعه سبحانه وتعالى في فاتحة سورة البقرة على سر تقديره في خلقه أظهره في فاتحة سورة آل عمران على علن قيوميته الذي هو شاهده في وحي ربه ، كما هو بصير بسر القدر في تفرق أفعال خلقه ، فكان منزل سورة البقرة قوام الأفعال ، ومنزل سورة آل عمران قوام التنزيل والإنزال ، فكان علن القيومية قوام التنزيل للكتاب الجامع الأول ، والتنزيل قوام إنزال الكتب ، وإنزال الكتاب الجامع لتفسير الكتب قوام تفصيل الآيات المحكمات والمتشابهات ، والإحكام والتشابه إقامة الهدى والفتنة ، والهدى والفتنة إقامة متصرف الحواس الظاهرة والباطنة ، والأحوال وما دونها من الأفعال على وجه جمع يكون قواما لما تفصل من مجمله وتكثر من وحدته وتفرق من اجتماعه ، ولعلو مضمون هذه السورة لم يقع فيها توجه الخطاب بها لصنف الناس ، واختص خطابها بالذين آمنوا في علو من معاني الإيمان لما ذكر من شرف سن الإيمان على سن الناس في تنامي أسنان القلوب ، وكان خطاب سورة البقرة بمقتضى رتبة العقل الذي به يقع أول الإصغاء والاستماع ، كما ظهر في آيات الاعتبار فيها في قوله سبحانه وتعالى : (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) ـ إلى قوله : (لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) [البقرة : ١٦٤] فكان خطاب سورة آل عمران إقبالا على أولي الألباب الذين لهم لب العقل ، بما ظهر في أولها وخاتمتها في قوله : (وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ) [آل عمران : ٧] وفي خاتمتها في آيات اعتبارها في قوله سبحانه وتعالى (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ) [آل عمران : ١٩٠] فبالعقل يقع الاعتبار لمنزل الكتاب وباللب يكون التذكر ، إيلاء إلى الذي نزل الكتاب ، وبالجملة فمثاني هذه السورة من تفاصيل آياتها وجمل جوامعها مما هو أعلق بطيب الإيمان واعتبار اللب ، كما أن منزل سورة البقرة أعلق بما هو من أمر الأعمال وإقامة معالم الإسلام بما ظهر في هذه السورة من علن أمر الله ، وبما افتتحت به من اسم الله الأعظم الذي جميع الأسماء أسماء له لإحاطته واختصاصها بوجه ما ، فكان فيها علن التوحيد وكماله وقوام تنزيل الأمر وتطور الخلق في جميع متنزلها ومثانيها ، وظهر فيها تفصيل وجوه الحكم العلية التي تضمن جملة ذكرها الآية الجامعة في سورة البقرة في قوله سبحانه وتعالى (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ) [البقرة : ٢٦٩] فكان من جملة بناء الحكمة ما هو السبب في ظهور الكفر من الذين كفروا بما غلب عليهم من الفتنة بأموالهم وأولادهم حتى ألهتهم عن ذكر الله ، فانتهوا فيه إلى حد الكفر الذي نبه عليه (الَّذِينَ آمَنُوا) في قوله سبحانه وتعالى (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ) [المنافقون : ٩] ـ انتهى.
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
