وأثنائها أن للناس يوما يدانون فيه وصلوا بقولهم السابق قوله : (رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ) قال الحرالي : من الجمع ، وهو ضم ما شأنه الافتراق والتنافر لطفا أو قهرا ـ انتهى. (النَّاسِ) أي كلهم (لِيَوْمٍ) أي يدانون فيه (لا رَيْبَ فِيهِ) ثم عللوا نفي الريب بقولهم ـ عادلين عن الخطاب آتين بالاسم الأعظم لأن المقام للجلال ـ : (إِنَّ اللهَ) أي المحيط بصفات الكمال (لا يُخْلِفُ) ولما كان نفي الخلف في زمن الوعد ومكانه أبلغ من نفي خلافه نفسه عبر بالمفعال فقال : (الْمِيعادَ) وقال الحرالي : هو مفعال من الوعد ، وصيغ لمعنى تكرره ودوامه ، والوعد العهد في الخير ـ انتهى. وكل ذلك تنبيها على أنه يجب التثبت في فهم الكتاب والإحجام عن مشكله خوفا من الفضيحة يوم الجمع يوم يساقون إليه ويقفون بين يديه ، فكأنه تعالى يقول للنصارى : هب أنه أشكل عليكم بعض أفعالي وأقوالي في الإنجيل فهلا فعلتم فعل الراسخين فنزهتموني عما لا يليق بجلالي من التناقض وغيره ، ووكلتم أمر ذلك إليّ ، وعولتم في فتح مغلقه عليّ خوفا من يوم الدين؟ قال ابن الزبير : ثم لما بلغ الكلام إلى هنا ـ أي إلى آية التصوير ـ كان كأنه قد قيل : فكيف طرأ عليهم ما طرأ مع وجود الكتب؟ فأخبر تعالى بشأن الكتاب وأنه محكم ومتشابه ، وكذا غيره من الكتب ـ والله سبحانه وتعالى أعلم ، فحال أهل التوفيق تحكيم المحكم ، وحال أهل الزيغ اتباع المتشابه والتعلق به ، وهذا بيان لقوله : (يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً) [البقرة : ٢٦] وكل هذا بيان لكون الكتاب العزيز أعظم فرقان وأوضح بيان إذ قد أوضح أحوال المختلفين ومن أين أتى عليهم مع وجود الكتب ، وفي أثناء ذلك تنبيه العباد على عجزهم وعدم استبدادهم لئلا يغتر الغافل فيقول مع هذا البيان ووضوح الأمر : لا طريق إلى تنكب الصراط ، فنبهوا حين علموا الدعاء من قوله : (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) [الفاتحة : ٤] ثم كرر تنبيههم لشدة الحاجة ليذكر هذا أبدا ، ففيه معظم البيان ، ومن اعتقاد الاستبداد ينشأ الشرك الأكبر إذ اعتقاد الاستبداد بالأفعال إخراج لنصف الموجودات عن يد بارئها (وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ) [الصافات : ٩٦] فمن التنبيه (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) [البقرة : ٦] ومنه : (يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً) [البقرة : ٢٦] ومنه : (آمَنَ الرَّسُولُ) [البقرة : ٢٨٥] ـ إلى خاتمتها ، هذا من جلي التنبيه ومحكمه ، ومما يرجع إليه ويجوز معناه بعد اعتباره : (وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ) [البقرة : ١٦٣] وقوله : (اللهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) [البقرة : ٢٥٥] ، فمن رأى الفعل أو بعضه لغيره تعالى حقيقة فقد قال بإلهية غيره ، ثم حذروا أشد التحذير لما بين لهم فقال تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ) [آل عمران : ٤] ثم ارتبطت الآيات إلى آخرها ـ انتهى.
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
