هو أصل الباب الذي يثمر باقيه ، وهو المراد بقول ابن هشام في السيرة : إن المعنى : فاتقوني ، فإنه شكر نعمتي ، ويجوز أن يكون : لعلكم تزدادون نعما فتشكرون عليها ـ إقامة للمسبب مقام السبب ـ والله أعلم.
ولما اشتملت هذه القصة على المصيبة التي سيقص الله كثيرا منها ، وهي مستوفاة في السير كان أنسب من قصها وبيان ما اتفق لها ـ لوعظ من يأتي ـ البداءة بتذكير من باشرها بما وعدهم الله به على لسان نبيه صلىاللهعليهوسلم قبل وقوع القتال من النصر المشروط بالصبر والتقوى تنبيها لهم على أن الخلل من جهتهم أتى ، ثم وعظهم بالنهي عما منعهم النصر ، والأمر بما يحصله لهم كما سيحثهم على ذلك بما يقص عليهم من نبأ من قاتل مع الأنبياء قبلهم بأنهم لما أصابهم القتل لم يهنوا وعلموا أن الخلل من أنفسهم ، فبادروا إلى إصلاحه بأفعال المتقين من الصبر والتضرع والإقرار بالذنب ، فقال ـ مبدلا من (إِذْ غَدَوْتَ) عودا على بدء تعظيما للأمر حثا على النظر في موارده ومصادره والتدبر لأوائله وأواخره ـ : (إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ) أي الذين شاورتهم في أمر أحد ـ وفي غمارهم المنافقون ـ لما زلزلوا برجوع أكثر المنافقين به ، حتى كاد بعض الثابتين أن يرجع ضعفا وجبنا ، مع ما كان النبي صلىاللهعليهوسلم أخبرهم به من تلك الرؤيا التي أولها بذبح يكون في أصحابه ، ليكون إقدامهم على بصيرة ، أو يصدهم ذلك عن الخروج إلى العدو كما كان ميل النبي صلىاللهعليهوسلم في أكثر أصحابه وإعلامهم إلى المكث في المدينة قال منكرا آتيا بأداة التأكيد للنفي : (أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ) أي أيها المؤمنون (أَنْ يُمِدَّكُمْ) إمدادا خفيا ـ بما أشار إليه الإدغام (رَبُّكُمْ) أي المتولي لتربيتكم ونصر دينكم (بِثَلاثَةِ آلافٍ) ثم عظم أمرهم بقوله : (مِنَ الْمَلائِكَةِ) ثم زاد في إعظامهم بأنهم من السماء بقوله : (مُنْزَلِينَ) ثم تولى سبحانه وتعالى هو الجواب عنهم تحقيقا للكفاية فقال : (بَلى) أي يكفيكم ذلك ، ثم استأنف قوله : (إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا) أي توقعوا الصبر والتقوى لله ربكم ، فتفعلوا ما يرضيه وتنتهوا عما يسخطه (وَيَأْتُوكُمْ) أي الكفار (مِنْ فَوْرِهِمْ) أي وقتهم ، استعير للسرعة التي لا تردد فيها ، من : فارت القدر ـ إذا غلت (هذا) أي في هذه الكرة (يُمْدِدْكُمْ) أي إمدادا جليا ـ بما أشار إليه إشارة لفظية : الفك ، وإشارة معنوية : التسويم (رَبُّكُمْ) أي المحسن إليكم بأكثر من ذلك (بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ) ثم بين أنهم من أعيان الملائكة بقوله : (مُسَوِّمِينَ) أي معلمين بما يعرف به مقامهم في الحرب ، والظاهر من التعبير بالتسويم إفهام القتال ، ومن الاقتصار على الإنزال عدمه ، ويكون فائدة نزولهم البركة بهم وإرهاب الكفار بمن يرونه منهم. قال البغوي : قال ابن عباس ومجاهد : لم يقاتل الملائكة في المعركة إلا يوم بدر ، وفيما سوى ذلك يشهدون القتال ولا يقاتلون ، إنما يكونون عددا ومددا.
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
