إلهي واستنصرت إلهك ، فو الله ما لقيتك من مرة إلا ظهرت علي ، فلو كان إلهي محقا وإلهك مبطلا لقد ظهرت عليك. (١) ، وإنما كانت الهزيمة وقتل من قتل لحكم ومصالح لا تخفى على من له رسوخ في الشريعة وثبات قدم في السنن ، ويمكن أن تكون هذه القصة مندرجة في حكم النهي في القصة التي قبلها عن طاعة فريق من أهل الكتاب عطفا على قوله تعالى : (نِعْمَتَ) في قوله : (وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ) [آل عمران : ١٠٣] لتشابه القصتين في الإصغاء إلى الكفار قولا أو فعلا ، المقتضي لهدم الدين من أصله ، لأن همّ الطائفتين بالفشل إنما كان من أجل رجوع عبد الله بن أبي المنافق حليف أهل الكتاب ومواليهم ومصادقهم ومصافيهم ، ويؤيد ذلك نهيه تعالى في أثناء هذه عن مثل ذلك بقوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ) [آل عمران : ١٤٩] ، ويكون إسناد الفعل في (غَدَوْتَ ،) وأمثاله إلى النبي صلىاللهعليهوسلم ، والمراد الإسناد إلى الجمع ، لأنه الرئيس فخطابه خطابهم ، ولشرف هذا الفعل ، فكان الأليق إفراده به صلىاللهعليهوسلم ، وأما الفشل ونحوه فأسند إليهم وقصر ـ كما هو الواقع ـ عليهم.
ولما امتن الله سبحانه عليهم بالنصرة في تلك الكرة سبب عن ذلك أمرهم بالتقوى إشارة إلى أنها السبب لدوام النعمة فقال : (فَاتَّقُوا اللهَ) أي في جميع أوامره ونواهيه مراقبين له بذكر جميع جلاله وعظمته وكماله (لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) وقد استشكل هذا بأن التقوى التنزه عن المعاصي ، والشكر فعل ينبىء عن تعظيم المنعم ، وشكر الله صرف جميع ما أنعم به في طاعاته ، فحينئذ التقوى من الشكر ، فإن أريد العموم انحل الكلام إلى : اشكروا لعلكم تشكرون ، ولا يتحرر الجواب إلا بعد معرفة حقيقة التقوى لغة ؛ قال الإمام عبد الحق في كتابه الواعي : الواقية ما وقاك الشر ، وكل شيء وقيت به شيئا فهو وقاء له ووقاية ، وقوله سبحانه وتعالى : (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) قال ابن عرفة ـ أي لعلكم أن تجعلوا بقبول ما أمركم به وقاية بينكم وبين النار ـ انتهى. فاتضح أن حقيقة (واتقوا :) اجعلوا بينكم وبين عذابه وقاية ، وأن سبب اتخاذ الوقاية الخوف من ضاره فالظاهر ـ والله أعلم ـ أن اتقوا بمعنى : خافوا ـ مجازا مرسلا من إطلاق اسم المسبب على السبب ، فالمعنى : خافوا الله لتكونوا على رجاء من أن يحملكم خوفه على طاعته على سبيل التجديد والاستمرار ، ولئن سلمنا أن التقوى من الشكر فالمعنى : اشكروا هذا الشكر الخاص ليحملكم على جميع الشكر ، وغايته أنه نبه على أن هذا الفرد من الشكر
__________________
(١) هذا الأثر نسبه المصنف رحمهالله لسيرة موسى بن عقبة وهي لم تطبع حتى الآن ولم أره في غيرها والله أعلم.
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
