وبالجملة ؛ احتياج المجتهد إلى هذه المسائل بديهيّ ، وليس أحد الطرفين في هذه المسائل بديهيا حتّى يستغنى عن ملاحظتها وتدوينها ، فظهر أنّ الاحتياج إلى أمثال ما ذكرنا من مسائل اصول الفقه بديهيّ ، ولو كان بعض مسائله بحيث لا يظهر ممّا ذكرنا بداهة الاحتياج إليه فلا بدّ من ملاحظته ؛ إذ لعلّه يظهر الاحتياج إليه ، ولو يظهر على مجتهد عدم الاحتياج إليه فهذا كيف ينفع المجتهد الآخر ؛ إذ لعلّ ذلك الآخر لو لاحظه وتأمّل فيه عرف الاحتياج إليه ؛ إذ الأذهان مختلفة ، والاطلاع والتفطن لهما دخل تامّ ؛ إذ لعلّه يكون مطّلعا على أمر آخر أو يتفطن به فيظهر بسببه عليه الاحتياج إليه.
على أنّه قد عرفت أنّ المعتبر إنّما هو ظنّ المجتهد بعد بذل جهده في جميع ما يحتمل أن يكون له دخل في الوثوق وعدم الوثوق ، وهذا وجه الاحتياج إلى علم اصول الفقه ، وهو شامل لجميع مسائله.
وقد عرفت (١) أيضا ؛ أنّ المطّلعين الماهرين المتبحرين المتقنين (٢) الورعين أخبروا بأنّه لا بدّ في الاجتهاد من معرفة اصول الفقه ، بل بعضهم صرّح (٣) بأنّ الأهمّ والعمدة فيه إنّما هو معرفته ، فعلى هذا لو كان القلب خاليا من الشوائب (٤) ، سليما من المعايب كيف يطمئنّ بما يظهر عليه مع عدم اطلاعه على اصول الفقه؟ وهذا أيضا كسابقه عام يشمل جميع مسائله ، فتأمّل.
على أنّك لو تتبعت سائر العلوم وجدت كثيرا من مسائلها لا يحتاج إليه المجتهد ، فتدبّر.
__________________
(١) راجع الصفحتين : ٩٤ و ٩٥.
(٢) في الف ، ب ، ج ، ه ، و : (المتقين).
(٣) معالم الاصول : ٢٤٠ ، قوانين الاصول : ٢ / ٢١٩.
(٤) في الف ، ب : (المشائب).
