من هو أعلم ومهارته أكثر ، حيرته أزيد ، وجرأته أقل ، واحتياطه أوفر ، مضافا إلى ما نرى (١) من اضطراب آرائهم وكثرة مخالفتهم ، ووفور تخطئتهم ، وزيادة توصيتهم في ملاحظة حال من يؤخذ عنه الفتوى إلى غير ذلك.
ثم إنّ العلم ـ ولو (٢) كان سهلا ـ مركوز في خواطر الناس عدم معذورية من اقتحم فيه من دون أخذه من العالم به ، أو أخذ الرخصة منه له ، أو حصول الاطلاع له بأطراف مسائله ، ومتى وقع نظره في موضع بمسألة منه ، وبادر إلى ذهنه منها شيء ، يحكم به من دون تدبّر وتدرّب إلى أطرافها ، وما لعله له دخل (٣) فيها ، ولعلّه لو تدرّب (٤) وتتبّع يظهر له امور غير امور ويعثر على ما لا بدّ فيه من العثور ؛ فإنّهم لا يتأمّلون في أنّ خطأه في هذه الحالة غير معذور ، والفساد الناشئ منه غير مغفور ، بل ونفس فعله عندهم خطأ فضيح وأمر قبيح ، ويرشد إليه ما مرّ في الفصل الثاني من «أنّ القضاة أربعة واحد منهم في الجنة والبواقي (٥) في النار» وغير ذلك ، فتدبّر.
على أنّه لو وجد مكلّف يكون أدون حالا ممن أشير إليه ، فالظاهر أنّ حاله حال المستضعفين ولا ينفع حاله حال غيره فتدبّر.
على أنّا نقول : ما ذكرت إنّما هو الخطاب إلى مخاطب واحد ، وأمّا إذا كان الخطاب إلى جماعة غير عديدة فاضطرب الأفهام في فهمه ، وتشتت الآراء في
__________________
(١) في الف ، ب ، ج : (يرى).
(٢) في الحجرية : (وان).
(٣) في الحجرية : (دخل له).
(٤) في ه : (تدبّر).
(٥) في ب : (الباقي).
