وأيضاً جريان أصالة البراءة في العبادات محلّ نظر ؛ لأنّها توقيفيّة موقوفة على النصّ ، وعلى تقدير تسليم الجريان فالقطع به محلّ نظر ، بل فاسد.
وأمّا المعاملات ؛ ففي كثير من المواضع لا يتأتّى الأصل ، مثل : كون المال لزيد أو عمرو ، وكذا (١) الزوجة .. إلى غير ذلك ، مع أنّ صحّة المعاملات حكم شرعيّ يحتاج إلى دليل شرعيّ ، والأصل يقتضي عدم الصحّة ، حتّى أنّ أصل البراءة أيضا مانع عن الصحّة ، فكيف يمكن التمسّك بها في المعاملات والحكم بصحّتها ، وقد كتبنا رسالة (٢) في هذا المعنى من أراد حقّ التحقيق فليلاحظها.
فأصالة البراءة إنّما تنفع في غير ما أشرنا ، مع أنّ الغالب (٣) احتياج الناس إلى أمثال ما ذكرنا.
وأيضاً أصل البراءة ظنّي ـ كما عرفت ـ ، وقطع العقل بعدم العقاب محلّ تشاجر بين العلماء ، وأقاموا على خلاف ذلك أدلّة من النقل ، بل وحكموا بالمنع عقلا أيضا ، وان كان الظاهر خلاف ذلك لكنّه ظاهر وظنّ وان كان قويّا ، سلّمنا القطع فإنّما نسلّم (٤) في موضع لم يتحقّق الظنّ بالتكليف ؛ إذ العقل يحكم بوجوب دفع الضرر المظنون البتّة ، فكيف يحكم بعدم العقاب والضرر البتّة! مع أنّ العقل لا يرضى بترجيح المرجوح على الراجح ، فإذا كان الراجح عنده أنّ السيّد الذي كلّما أمر وكلّف كان راجحا البتّة أنّه أمر بكذا وحكم بكذا فكيف يرضى بترجيح خلاف ذلك عليه؟
وبالجملة ؛ لا نسلّم القطع في أمثال ما نحن فيه ، بل ولا الظنّ أيضا ، سلّمنا
__________________
(١) في ب ، ج : (وكذلك).
(٢) اي : رسالة أصالة الصحة والفساد في المعاملات.
(٣) في الف ، د : (غالب).
(٤) في ج : (لكن نسلم).
