وأيضاً لم يمنعون الناس عن تقليدهم ويحرّمون ويحذّرون ، مع أنّ كثيرا منهم يفتون به مطمئنّون ، وبكونه حكم الشرع معتقدون؟!
ومن لم يحصل له الاطمئنان بل حصل الظن ، فغير خفي أنّه لا يحصل له الاطمئنان بقولكم أيضا ، بل وبطريق أولى ؛ لما ستعرف.
فبأيّ رخصة تجوّزون عليه الأخذ بقولكم ، بل وتوجبون ، مع أنّه عمل بغير علم؟! بل الظاهر أنّ وثوقه بقول المجتهدين أزيد منه بقولكم (١) ؛ لما يرى من أنّهم أكثر وأجمع للعلوم وأشهر ، بل والمدار في الأقطار عليهم ، والرجوع في الأمصار إليهم ، وكتبهم منتشرة في العالم ، ومشتهرة بين الأنام ، وفتاويهم مركوزة في قلوب الخاص والعام ، ولا يسمع إلّا اسمهم (٢).
ومع ذلك يرى زهدهم وتقواهم ملأ الدنيا شهرته ، وبلغ وصار ضربا للأمثال في بلوغه غايته ... إلى غير ذلك ، وسيّما بعد ملاحظة ما اشتهر وظهر منهم أنّ الاجتهاد أمر خطير وحصوله عسير ، ولا يبلغ رتبته إلّا من حاز علوما شتّى ، وجمع شرائط اخرى ، وبذل جهده في كلّ ما لعلّه له دخل في الوثوق وعدمه ، واستفرغ الوسع حين يحصل (٣) الحكم بتمامه ، مع قوّة قدسيّة وملكة قويّة.
بل لعلّ وثوقهم بقولكم بتخيّل أنّكم مجتهدون أو فتواكم على وفق فتواهم ، فلو وجد المخالفة لعلّه لا يبقى له وثوق ، سيّما بعد الاطّلاع على منع المجتهدين من الأخذ بقولكم ، وإظهارهم أنّكم قاصرون ؛ غير بالغين رتبة الاجتهاد والفتوى ، ولا مطّلعين بالأمور الضرورية أصلا أو بحقّها وحقيقتها ، وغير مراعين للشرائط اللابديّة.
__________________
(١) في ج ، ه ، و : (من قولكم).
(٢) يوجد في نسخة (ز) إضافة : (ولا يوجد إلّا رسمهم).
(٣) في الحجرية : (تحصيل).
