ولو فرض أنّك اطّلعت على بعض ما لم يذكره جميع من تقدّم عليك ، إمّا لعدم اعتنائهم به ، أو عدم تفطّنهم له ، أو عدم عثورهم عليه ، فهو أيضا من علم الرجال ، كما هو الحال في سائر العلوم مثل الفقه وغيره ، على أنّي أتعجب أن يكون ما يطّلع عليه أقوى ممّا ذكروه ويكون يفيد القطع (١) بحيث يغني عن علم الرجال وقرائنه مع وفورها وكونها أشهر وأعرف وأمتن ؛ لتوافق الأفكار السليمة فيها ، وتعاضد الأنظار المستقيمة لها ، وتكاثر التلقّيات بالقبول من الفحول في الأعصار المستمرّة والأزمنة (٢) المتطاولة ، وتشارك القدماء والمتأخّرين في الاعتناء بها ، مع أنّ أصلها من القدماء والأقارب ، والشاهد يرى ما لا يراه الغائب.
وأعجب منه حصول القطع بالنسبة إلى جميع سلسلة السند. وأعجب منه دعوى وفور هذا النوع في أحاديث أصحابنا.
ثم إنّه لو سلم وجود القرائن المورثة ، فغاية ما نسلّم إيراثها للقطع (٣) بوثاقة الراوي ، أمّا أزيد منه فلا ، والثقة لا يفعل ما ينافي الوثاقة ، ومنافي الوثاقة هو الافتراء الذي ليس بمشروع ، إمّا أنّه لا يصدر منه إلّا المشروع واقعا أو في نظره (٤) ، ولا يروي إلّا ما كان واضحا عنده فلا ؛ إذ من الجائز أن يجوّز الرواية بالظنّ ويعتقد أنّه لا ضرر فيه أصلا ، أو يعتقد ضرره في موضع دون موضع ولغرض دون غرض (٥) ، لكن اشتبه علينا المواضع ، وسيجيء عن بعض القدماء أنّ
__________________
(١) في الحجرية : (مفيدا للقطع).
(٢) في الحجرية : (الأزمان).
(٣) في و : (القطع).
(٤) في ج : (ظنه).
(٥) لم ترد : (ولغرض دون غرض) في و.
