الإسكندر على ممالك الفرس ، وقصد الهند والصّين ، وغزا الأمم البعيدة ، ورجع إلى «خراسان» وبنى المدن الكثيرة ، ورجع إلى العراق ، ومرض ب «شهرزور» ومات ، فلما ثبت بالقرآن أن ذا القرنين كان رجلا ملك الأرض أو ما يقرب منها ، وثبت من التّواريخ أن من هذا شأنه ما كان إلّا الإسكندر وجب القطع بأنّ المراد بذي القرنين هو الإسكندر بن فيلبوس اليوناني.
قيل : وسمّي بذي القرنين ، لأنه ملك الرّوم وفارس ، وقيل : لأنه دخل النور والظلمة ، وقيل : لأنه رأى في المنام كأنه أخذ بقرني الشّمس ، وقيل : لأنه كانت له ذؤابتان حسنتان ، وقيل: لأنه كان له قرنان تواليهما العمامة.
وروى أبو الفضل عن عليّ أنه أمر قومه بتقوى الله ، فضربوه على قرنه الأيمن ، فمات ، فبعثه الله ، فأمرهم بتقوى الله ، فضربوه على قرنه الأيسر ، فمات فأحياه الله.
وقيل : كان لتاجه قرنان ، وقيل : لأنه انقرض في وقته قرنان من الناس ، وقيل : لأن الله سخر له النّور والظلمة ، فإذا سرى يهديه النور من أمامه ، وتمتد الظلمة من ورائه.
فروي أن ذا القرنين أمر ببناء مدن كثيرة منها : «الدبوسية» و«حمدان» و«برج الحجارة» ، ولما بلغ «الهند» بنى مدينة «سرنديب» وأن أرباب الحساب قالوا له : إنّك لا تموت إلا على أرض من حديد ، وسماء من خشب ، وكان يدفن كنوز كلّ بلد فيها ، ويكتب ذلك معه بصفته وموضعه ، فبلغ «بابل» ، فرعف ، فسقط عن دابّته ، فبسطت له دروع فنام عليها ، فآذته الشمس ، فأظلوه بترس ، فنظر وقال : هذه أرض من حديد وسماء من خشب ، فأيقن بالموت ، فمات وهو ابن ألف سنة وثلاثمائة سنة.
وقال أبو الرّيحان البيروني في كتابه المسمّى ب «الآثار الباقية عن القرون الخالية» : قيل : إنّ ذا القرنين هو أبو كرب سميّ بن عبرين بن أقريقيش الحميريّ ، وأنّ ملكه بلغ مشارق الأرض ومغاربها ، وهو الذي افتخر به أحد الشعراء من حمير : [الكامل]
|
قد كان ذو القرنين قبلي مسلما |
|
ملكا علا في الأرض غير مفنّد |
|
بلغ المشارق والمغارب يبتغي |
|
أسباب ملك من كريم سيّد (١) |
ثم قال أبو الريحان : ويشبه أن يكون هذا القول أقرب ، لأن الأذواء كانوا من اليمن ، وهم الذين لا يخلون أساميهم من «ذي كذا» المنار ، و«ذي نواس» ، و«ذي النّون» ، و«ذي رعين» والقول الأول أظهر ، لما تقدم من الدليل ، ولأنّه روي عن النبي
__________________
(١) ينظر : الرازي ٢١ / ١٤٠.
وذكر لهما القرطبي ١١ / ٣٤ بيتا ثالثا :
|
فرأى مغيب الشمس عند غروبها |
|
في عين ذي خلب وثأط حرمد |
![اللّباب في علوم الكتاب [ ج ١٢ ] اللّباب في علوم الكتاب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3106_allubab-fi-ulum-alkitab-12%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
