فصل في تقرير هذا الجواب
اعلم أنّ تقرير هذا الجواب : أن يقال : إما أن يكون مرادكم من هذا الاقتراح أنّكم طلبتم الإتيان من عند نفسي بهذه الأشياء ، أو طلبتم منّي أن أطلب من الله إظهارها على يديّ ؛ لتدلّ لكم على كوني رسولا حقّا من عند الله.
والأول باطل ؛ لأنّي بشر ، والبشر لا قدرة له على هذه الأشياء.
والثاني أيضا : باطل ؛ لأنّي قد أتيتكم بمعجزة واحدة ، وهي القرآن ، فطلب هذه المعجزات طلب لما لا حاجة إليه ، وكان طلبها يجري مجرى التعنّت والتحكّم ، وأنا عبد مأمور ليس لي أن أتحكّم على الله ؛ فسقط هذا السؤال ؛ فثبت كون قوله : (سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولاً) جوابا كافيا في هذا الباب.
قوله تعالى : (وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلاَّ أَنْ قالُوا أَبَعَثَ اللهُ بَشَراً رَسُولاً (٩٤) قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولاً (٩٥) قُلْ كَفى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً (٩٦) وَمَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً (٩٧) ذلِكَ جَزاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآياتِنا وَقالُوا أَإِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً (٩٨) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ قادِرٌ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلاَّ كُفُوراً)(٩٩)
قوله : (وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا) الآية.
لمّا حكى الله تعالى شبهة القوم في اقتراح المعجزات الزّائدة ، وأجاب عنها حكى شبهة (١) أخرى وهي أنهم استبعدوا أن يبعث الله للخلق رسولا من البشر ، بل اعتقدوا أنّ الله تعالى ، لو أرسل رسولا إلى الخلق ، لكان ذلك الرسول من الملائكة ، وأجاب الله تعالى عن هذه الشبهة بوجوه :
أحدها : قوله تعالى : (وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى).
وتقرير هذا الجواب : أنّ بتقدير أن يبعث الله ملكا رسولا إلى الخلق ، فالخلق إنما يؤمنون بكونه رسولا من عند الله ؛ لأجل قيام المعجزات الدالة على صدقه ؛ وذلك المعجز هو الذي يهديهم إلى معرفة صدق ذلك الملك في ادّعاء رسالته ، فالمراد من قوله : (إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى) هو المعجز ، [وإذا كان كذلك ، فنقول : لما كان الدليل على
__________________
(١) سقط من : أ.
![اللّباب في علوم الكتاب [ ج ١٢ ] اللّباب في علوم الكتاب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3106_allubab-fi-ulum-alkitab-12%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
