العذاب ، ومنهم : من يريد طاعة الله ، وهم أهل الثواب ، ثم شرط في ذلك ثلاثة شروط : أن يريد الآخرة ، وأن يعمل عملا ، ويسعى سعيا موافقا لطلب الآخرة ، وأن تكون مؤمنا لا جرم فصّل في هذه الآية تلك المجملات ، فبدأ أوّلا بشرح حقيقة الإيمان ، وأشرف أجزاء الإيمان هو التوحيد ، ونفي الشّرك ، فقال عزّ وعلا : (لا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ).
ثم ذكر عقيبه سائر الأعمال التي يكون المشتغل بها ساعيا سعي الآخرة.
قال المفسّرون (١) : الخطاب مع النبي صلىاللهعليهوسلم والمراد غيره كقوله تعالى : (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ) [الطلاق : ١] وقيل : الخطاب للإنسان ، وهذا أولى ؛ لأنّه تعالى عطف عليه قوله ـ تعالى ـ : (وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ) [الإسراء : ٢٣] إلى قوله تعالى : (إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما).
وهذا لا يليق بالنبي ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ لأنّ أبويه ما بلغا الكبر عنده.
والمعنى : أنّ من أشرك بالله ، كان مذموما مخذولا ؛ ويدل على ذلك وجوه :
الأول : أنّ المشرك كاذب ، والكاذب يستوجب الذمّ ، والخذلان.
الثاني : أنّه لما ثبت بالدّليل : أنّه لا إله ولا مدبّر إلّا الواحد الأحد ، فحينئذ : يكون جميع النّعم حاصلة من الله ـ تعالى ـ ، فمن أشرك بالله ، فقد أضاف بعض تلك النّعم إلى غير الله ، مع أن الحقّ أن كلّها من الله ، فحينئذ يستحقّ الذمّ ؛ لأنّ المستحقّ للشّكر على تلك النعم هو الخالق لها ، فلمّا جحد كونها من الله ـ تعالى ـ فقد قابل إحسان الله ـ تعالى ـ بالإساءة والجحود ، فاستوجب (٢) الذمّ ، ويستحقّ الخذلان ؛ لأنّه لما أثبت لله شريكا ، استحقّ أن يفوض أمره إلى ذلك الشّريك ، ولمّا كان ذلك الشريك معدوما ، بقي بلا ناصر ولا حافظ ولا معين ، وذلك عين الخذلان.
الثالث : أنّ الكمال في الوحدة ، والنقصان في الكثرة ، فمن أثبت الشّريك ، فقد وقع في جانب النقصان.
قوله تعالى : (فَتَقْعُدَ) : يجوز أن تكون على بابها ، فينتصب ما بعدها على الحال ، ويجوز أن تكون بمعنى «صار» فينتصب على الخبريّة ، وإليه ذهب الفراء والزمخشريّ ، وأنشدوا في ذلك :
|
٣٣٩٣ ـ لا يقنع الجارية الخضاب |
|
ولا الوشاحان ولا الجلباب |
|
من دون أن تلتقي الأركاب |
|
ويقعد الأير له لعاب (٣) |
أي : ويصير ، والبصريّون لا يقيسون هذا ، بل يقتصرون به على المثل في قولهم : «شحذ شفرته ؛ حتّى قعدت كأنّها حربة».
__________________
(١) ينظر : الفخر الرازي ٢٠ / ١٤٦.
(٢) في ب : فاستحق.
(٣) البيتان لبعض بني عامر ينظر : معاني الفراء ٢ / ٢٧٤ ، البحر ٦ / ٦٩ ، التهذيب واللسان «ركب» ، الدر المصون ٤ / ٣٨١.
![اللّباب في علوم الكتاب [ ج ١٢ ] اللّباب في علوم الكتاب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3106_allubab-fi-ulum-alkitab-12%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
