لما بعده والانهماك في الدنيا ، وهي من أمارات إنكار الموت ، فلهذا قال : «ميتون» ولم يقل : تموتون ؛ وإنما أكّد إثبات البعث الذي أنكروه تأكيدا واحدا ، لظهور أدلته المزيلة للإنكار ، إذا تأملوا فيها ، ولهذا قيل : «تبعثون» على الأصل ، وهو الاستقبال بخلاف «تموتون».
الثاني : أنّ دخول اللام على «ميتون» أحق ؛ لأنه تعالى يردّ على الدّهرية (١) القائلين ببقاء النوع الإنساني [١٧٧ / أ] ، خلفا عن سلف ، وقد أخبر تعالى عن البعث في مواضع من القرآن ، [وأكّده] (٢) وكذّب منكره ؛ كقوله : (زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَ) (التغابن : ٧) قاله الشيخ تاج الدين بن الفركاح (٣).
الثالث : أنه لما كان العطف يقتضي الاشتراك في الحكم استغني (٤) [به عن إعادة لفظ اللاّم ؛ وكأنه قيل : «لتبعثون» واستغني] (٤) بها في الثاني لذكرها في الأول.
الرابع : قال الزمخشري : بولغ في تأكيد الموت ؛ تنبيها للإنسان (٥) [أن يكون الموت نصب عينيه ، ولا يغفل عن ترقبه ؛ فإن مآله إليه ؛ فكأنه أكّدت جملته ثلاث مرات ؛ لهذا المعنى ، لأن الإنسان] (٥) في الدنيا يسعى فيها غاية السعي ؛ [حتى] (٦) كأنه مخلّد ، ولم يؤكّد جملة البعث إلا ب «إنّ» لأنه أبرز بصورة (٧) المقطوع به الذي لا يمكن فيه نزاع ، ولا يقبل إنكارا.
__________________
(١) الدّهريّة هم الذين أنكروا الاعتقاد في الله ، وأنكروا خلق العالم والعناية الإلهية. ولم يسلموا بما جاءت به الأديان الحقّة كالشرائع السماوية والبعث والعقاب ، وقالوا بقدم الدهر وأنّ المادة لا تفنى ، وأن كل ما حدث في العالم إنما يرد إلى فعل القوانين الطبيعية. أي إلى حركة الأفلاك ، وقولهم بقدم الدهر هو أبرز أقوالهم. (الخوارزمي ، مفاتيح العلوم ص ٢٥) بتصرف.
(٢) ساقط من المخطوطة.
(٣) هو عبد الرحمن بن إبراهيم بن ضياء بن سباع الفزاري ، تاج الدين المعروف بالفركاح فقيه أهل الشام كان إماما مدققا نظارا تفقه على شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام. وروى البخاري عن ابن الزبيدي وسمع من ابن اللّتي وابن الصلاح ، حدث عنه جماعة من تصانيفه كتاب «الإقليد لذوي التقليد» وشرحا على «التنبيه» لم يسمّه ، وله على «الوجيز» مجلدات توفي سنة (٦٩٠ ه) (السبكي ، طبقات الشافعية ٥ / ٦٠).
(٤) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوطة.
(٥) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوطة.
(٦) ساقط من المطبوعة.
(٧) في المخطوطة «في صورة».
![البرهان في علوم القرآن [ ج ٣ ] البرهان في علوم القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2130_alburhan-fi-ulum-quran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
