الخوارق والمعجزات ، من إحياء الموتى ، وإبراء الأكمه والأبرص وغيره ؛ ولكونه خلق من غير تراب. والتزهيد في الدنيا وغالب هذه الأمور هي للملائكة (١) أتمّ ، وهم فيها أقوى ، فإن كانت هذه الصفات أوجبت عبادته ، فهو مع هذه الصفات لا يستنكف عن عبادة الله ، بل ولا من هو أكبر منه في هذه الصفات ، للترقي (٢) من الأدنى إلى الأعلى في المقصود ، ولم يلزم منه الشرف المطلق والفضيلة على المسيح. ٣ / ٢٧٠
السابع عشر
الترقي
كقوله [تعالى] (٣) : (أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها ...) (الأعراف : ١٩٥) الآية ؛ فإنه سبحانه بدأ منها بالأدنى لغرض الترقي ؛ لأن منفعة [الوصف] (٣) الرابع أهمّ من منفعة الثالث ، فهو أشرف منه ، ومنفعة الثالث أعم من منفعة الثاني ، ومنفعة الثاني أعم من منفعة الأول ، فهو أشرف منه.
وقد قرن السمع بالعقل ولم يقرن به البصر في قوله : (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ* وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ) (يونس : ٤٢ ـ ٤٣) ، وما قرن بالأشرف كان أشرف ؛ وحكي ذلك عن علي بن عيسى الربعيّ (٤).
قال الشيخ أبو الفتح القشيريّ (٥) : فإن قيل : قد كان الأولى أن يقدّم الوصف الأعلى ، ثم ما دونه ، حتى (٦) ينتهي إلى
__________________
(١) في المخطوطة (في الملائكة).
(٢) في المخطوطة (يرقى).
(٣) ليست في المطبوعة.
(٤) هو علي بن عيسى بن الفرج أبو الحسن الربعي النحوي صاحب أبي علي الفارسي درس ببغداد الأدب على أبي سعيد السيرافي وأقام على أبي النحوي عشرين سنة يدرس فقال أبو علي : ما بقي له شيء يحتاج أن يسأل عنه من تصانيفه «شرح البلغة» و «البديع في النحو» و «شرح مختصر الجرمي» وغيرها ت ٤٢٠ ه (القفطي ، إنباه الرواة ٢ / ٢٩٧).
(٥) هو محمد بن علي بن وهب ، أبو الفتح تقي الدين بن دقيق العيد القشيري تقدم التعريف به في ١ / ١١٧ و (٢ / ٣٣٨).
(٦) في المخطوطة (ثم).
![البرهان في علوم القرآن [ ج ٣ ] البرهان في علوم القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2130_alburhan-fi-ulum-quran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
