يعجز العقول عن استيفاء الاعتبار ببعضه كالاعتبار بخلق السماوات في قوله تعالى (الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً) [الملك : ٣] أي يطابق بعضها بعضا من طابق النعل ـ إذا خصفها طبقا على طبق ، ويشعر هذا بتساويها في مساحة أقطارها ومقادير أجرامها ـ والله أعلم ، ووقع الوصف بالمصدر يشعر باستحكام مطابقة بعضها لبعض إنباء منه سبحانه وتعالى أنها من عظم أجرامها وتباعد أقطارها يطابق بعضها بعضا من غير زيادة ولا نقص (ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ) [الملك : ٣] أي من اختلاف واضطراب في الخلقة أو تناقض ، إنما هي مستوية مستقيمة ، وجيء بالظاهر في قوله تعالى (ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ) [الملك : ٣] ولم يقل : ما ترى فيه من تفاوت ـ ليشعر أن جميع المخلوقات جار على هذا ، كل شكل يناسب شكله ، لا تفاوت في شيء من ذلك ولا اضطراب ، فأعطى الظاهر من التعميم ما لم يكن يعطيه الإضمار كما أشعر خصوص اسم الرحمن بما في هذه الأدلة المبسوطة من الرحمة للخلائق لمن رزق الاعتبار ، ثم نبه تعالى على ما يرفع الريب ويزيح الإشكال في ذلك فقال : (فَارْجِعِ الْبَصَرَ) [الملك : ٣] أي عاود الاعتبار وتأمل ما تشاهده من هذه المخلوقات حتى يصح عندك ما أخبرت به بالمعاينة ولا يبقى معك في ذلك شبهة (هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ) [الملك : ٣] أي من صدوع وشقوق ، ثم أمر تعالى بتكرير البصر فيهن متصفحا ومتمتعا هل تجد عيبا أو خللا (يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً) [الملك : ٤] أي إنك إذا فعلت هذا رجع بصرك بعيدا عن إصابة الملتمس كأنه يطرد عن ذلك طردا بالصغار وبالإعياء وبالكلال لطول الإجالة والترديد ، وأمر برجوع البصر ليكون في ذلك استجمامه واستعداده حتى لا يقع بالرجعة الأولى التي يمكن فيها الغفلة والذهول إلى أن يحسر بصره من طول المعاودة إذ معنى التثنية في قوله «كرتين» التكرير كقولهم : لبيك وسعديك ، فيحسر البصر من طول التكرار ولا يعثر على شيء من فطور ، فلو لم تنطو السورة على غير ما وقع من أوله إلى هنا لكان في ذلك أعظم معتبر ، وأوضح دليل لمن استبصر ، إذ هذا الاعتبار بما ذكر من عمومه جار في كل المخلوقات ولا يستقل بفهم مجاريه إلا آحاد من العقلاء بعد التحريك والتنبيه ، فشهادته بنبوة الآتي به قائمة واضحة ، ثم قد تكررت في السورة دلالات كقوله (وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ) [الملك : ٥] وقوله (أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) [الملك : ١٤] الآيات إلى آخر السورة ، وأدناها كاف في الاعتبار فأنى يصدر بعض عن متصف ببعض ما هزئوا به في قولهم : مجنون وساحر وشاعر وكذاب ، (كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ) [المطففين : ١٤] فلعظيم ما انطوت عليه سورة الملك من البراهين اتبعت بتنزيه الآتي بها
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
