من السمع والعقل عدم لكونه لم يدفع عنهم هذا البلاء بالقبول من الرسل لما ذكروهم به من نصائح ربهم وشهادة الشواهد من الآيات البينات (ما كُنَّا) أي كونا دائما (فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ) أي في عداد من أعدت له النار التي هي في غاية الاتقاد والحر والتلهب والتوقد حتى كأن بها جنونا ، وحكم بخلودهم في صحبتها ، وأعظم ما في هذا من العذاب بكونهم ألجئوا إلى أن يباشروا توبيخ أنفسهم ومقتها بأنفسهم أنه لا يقبل منهم خروجا عن العادة في الدنيا من أن الإنسان إذا أظهر الخضوع باعترافه ولومه نفسه وإنصافه رحم وقبل ، وفي الآية أعظم فضيلة للعقل ، روى ابن المحبر (١) في كتاب العقل والحارث عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلىاللهعليهوسلم قال : «لكل شيء دعامة ودعامة المؤمن عقله فبقدر عقله تكون عبادته ، أما سمعتم قول الفجار لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحب السعير» (٢).
ولما كان هذا الإقرار زائدا في ضررهم ، وإنما كان يكون نافعا لهم لو قالوه في دار العمل وندموا عليه وأقلعوا عنه ، سبب عنه قوله ضاما ـ إلى ما تقدم من تعذيب أرواحهم بمقت الملائكة لهم ثم مقتهم لأنفسهم ـ مقت الله لهم : (فَاعْتَرَفُوا) أي بالغوا جامعين إلى مقت الله وملائكته لهم مقتهم لأنفسهم في الاعتراف وهو الإقرار عن معرفة.
ولما كان الذي أوردهم المهالك هو الكفر الذي تفرعت عنه جميع المعاصي ، أفرد فقال تعالى : (بِذَنْبِهِمْ) أي في دار الجزاء كما كانوا يبالغون في التكذيب في دار العمل فلم يكن ينفعهم لفوات محله ، أو أنه لم يجمع الذنب إشارة إلى أنهم كانوا كلهم في المبالغة في التكذيب على حد واحد ، كما قال تعالى (كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ أَتَواصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ) [الذاريات : ٥٣] أو أن الإفراد أشد في التحذير من كثير الذنوب وقليلها حقيرها وجليلها.
ولما كانوا قد أبلغوا في كلتي الدارين في إبعاد أنفسهم عن مواطن الرحمة وتسفيلها إلى حال النقمة أنتج ذلك وسبب قوله : (فَسُحْقاً) أي بعدا في جهة السفل وهو دعاء عليهم مستجاب (لِأَصْحابِ) وأظهر تنبيها على عظيم توقدها وتغيظها وتهددها فقال : (السَّعِيرِ) أي الذين قضت عليهم أعمالهم بملازمتها.
__________________
(١) وقع في الأصل ابن المخبر والتصويب في الميزان للذهبي.
(٢) هذا أحد أحاديث العقل التي وضعها داود بن المحبر فقد جاء في الميزان للذهبي ٢ / ٢٠ (٢٦٤٦) ما ملخصه : داود بن المحبّر صاحب العقل ، وليته لم يصنفه قال أحمد : لا يدري ما الحديث وقال أبو زرعة : ضعيف وقال الدارقطني : متروك.
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
