معرفا بعد التعريف بالإلهيات بأمر النفس مبينا لقسم الإنسان المردود أسفل سافلين مقررا لحاله ، ورادعا له عن ضلاله : (كَلَّا) أي ارتدع أيها العالم عن الطغيان إن نلت الغنى حقا (إِنَّ الْإِنْسانَ) أي هذا النوع الذي هو نوعك ومن شأنه الأنس بنفسه والنظر في عطفه (لَيَطْغى ) أي من شأنه ـ إلا من عصمه الله سبحانه ـ أن يزيد على الحد الذي لا ينبغي له مجاوزته كما يزيد الخلط الدموي ، وأكده لما لأكثر الخلق من التكذيب به فإنه لا طاغي يقر بأنه طغى (أَنْ) أي لأجل أن (رَآهُ) أي علم الإنسان نفسه علما وجدانيا (اسْتَغْنى ) أي وجد له الغنى ، هذا هو الطبع الغالب في الإنسان متى استغنى عن شيء عمي عن مواضع افتقاره ، فتغيرت أحواله معه ، وتجاوز فيه ما ينبغي له الوقوف عنده «ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب» (١) ومن كان مفتقرا إلى شيء كان منطاعا له كما في حديث آخر أهل النار خروجا منها يقسم لربه أنه لا يسأل غير ما طلبه ، فإذا أعطيته واستغنى به سأل غيره حتى يدخل دار القرار ، ولعله نبه بهذا على أن هذه الأمة المحتاجة ستفتح لها خزائن الأرض فيطغيها الغنى كما أطغى من قبلها وإن كانوا هم ينكرون ذلك كما قال صلىاللهعليهوسلم حين بشرهم بالفتوحات وقال : «إنه يغدى على أحدكم بصفحة ويراح عليه بأخرى ثم قال لهم : أنتم اليوم خير أم يومئذ ، فقالوا : بل يومئذ ، نتفرغ لعبادة ربنا ، فقال : بل أنتم اليوم خير منكم يومئذ (٢) ، قال صلىاللهعليهوسلم : والله ما الفقر أخشى عليكم ، ولكن أخشى أن يبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم» (٣) أو كما قال صلىاللهعليهوسلم.
ولما كان لا دواء لذلك مثل تذكر الجزاء ، قال معرفا أن الإنسان لا يزال مفتقرا إلى مولاه في حياته ومماته وغناه وفقره ، محذرا له سوء حالاته مؤكدا لأجل إنكارهم ذلك : (إِنَّ إِلى رَبِّكَ) أي المحسن إليك بالرسالة التي رفع بها ذكرك ، لا إلى غيره من التراب ونحوه (الرُّجْعى ) أي الرجوع الأعظم الثابت الذي لا محيد عنه ، أما في الدنيا فلا محيد عن الإقرار به ، فإنه لا يقدر أحد على شيء إلا بتقديره ، وأما في الآخرة فبما أثبت في برهانه في سورة التين ، فيحاسب الناس بأعمالهم ، ويجازي كل أحد بما يستحق من ثواب أو عقاب ، ففيه وعيد للطاغي وتحقير ـ لغنى ينقطع.
ولما أخبر بطغيانه وعجل بذكر دوائه لأن المبادرة بالدواء لئلا يتحكم الداء واجبة ،
__________________
(١) أخرجه أحمد ٣ / ١٦٨ والبخاري ٦٤٣٩ ومسلم ١٠٤٨ عن أنس رضي الله تعالى عنه.
(٢) أخرجه أبو يعلى ٥٠٢ عن علي رضي الله تعالى عنه قال الهيثمي في المجمع ١٠ / ٥٦٦ : رواه أبو يعلى وفيه «ولم يسم وبقية رجاله ثقات».
(٣) أخرجه أحمد ٤ / ٣٢٧ والبخاري ٦٤٢٥ عن عمرو بن عوف رضي الله تعالى عنه.
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
