محل التكليف ليكمل تكليفه ، وذلك أنه سبحانه ركبه من العناصر الأربعة ، وجعل صلاحه بصلاحها ، وفساده بفسادها لتعاليها ، فاضطر إلى قوى يدرك بها المنافي فيجتنبه والملائم فيطلبه ، فرتب له سبحانه الحواس الخمس الظاهرة ، فجعل السمع في الأذن ، والبصر في العين ، والذوق في اللسان ، والشم في الأنف ، وبث اللمس في سائر البدن ، ليدفع به عن جميع الأعضاء ما يؤذيها ، وهذه الحواس الظاهرة تنبعث عن قوة باطنة تسمى الحس المشترك بحمل ما أدركته فيرتسم هناك وهو في مقدم البطن الأول من الدماغ وينتقل ما ارتسم هنا إلى خزانة الخيال وهي في مؤخر هذا البطن من الدماغ فتحفظ فيها صورته وإن غابت عن الحواس ، وثم قوة أخرى من شأنها إدراك المعاني الجزئية المتعلقة بالمحسوسات الشخصية كعداوة زيد وصداقته تسمى الوهم ومحلها الدماغ كله والأخص بها التجويف الأوسط وخصوصا مؤخره ، وقوة أخرى أيضا شأنها خزن ما أدركته القوة الوهمية من المعاني الجزئية تسمى الحافظة باعتبار ، والذاكرة باعتبار ، ومحلها التجويف المؤخر في الدماغ ، وقوة أخرى من شأنها تفتيش تلك الخزائن وتركيب بعض مودعاتها مع بعض وتفصيل بعضها مع بعض ومحلها وسلطانها في أول التجويف الأوسط ، وتلك القوة تسمى مخيلة باعتبار تصريف الوهم لها ومفكرة باعتبار استعمال النفس لها ، وقد اقتضت الحكمة الربانية تقديم ما يدرك الصور الجرمية وتأخير ما يدرك المعاني الروحانية ، وتوسيط المتصرف فيهما بالحكم والاسترجاع للأمثال المنمحية من الجانبين ، ثم لا تزال هذه القوى تخدم ما فوقها كما خدمتها الحواس الخمس إلى أن تصير عقلا مستفادا ، وهو قوة للنفس بها يكون لها حضور المعقولات بالفعل ، وهذا العقل هو غاية السلوك الطلبي للإنسان وهو الرئيس المطلق المخدوم للعقل بالفعل ، وهو القوة التي تكون للنفس بها اقتدار على استحضار المعقولات ـ الثانية وهو المخدوم للعقل الهيولاني المشبه بالهيولى الخالية في نفسها عن جميع الصور ، وهو قوة من شأنها الاستعداد المحض لدرك المعقولات باستعمال الحواس في تصفح الجزئيات واستقرائها المخدومات كلها للعقل العملي ، وهو القوة النظرية المخدوم للوهم المخدوم لما بعده من الحافظة وما قبله من المتخلية المخدومتين للخيال المخدوم للحس المشترك المخدوم للحواس الظاهرة.
ولما كان كأنه قيل : هبه خلق هكذا فكان ماذا؟ قال شفاء لعيّ هذا السؤال وبيانا لنعمة الإمداد : (إِنَّا) أي بما لنا من العظمة (هَدَيْناهُ) أي بينا له لأجل الابتلاء (السَّبِيلَ) أي الطريق الواضح الذي لا طريق في الحقيقة غيره ، وهو طريق الخير الذي من حاد عنه ضل ، وذلك بما أنزلنا من الكتب وأرسلنا من الرسل ونصبنا من الدلائل في
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
