الله تعالى بتوفيقه عرف حرمان من وصف في قوله : «ثم ذهب إلى أهله يتمطى» فسبحان الله ما أعظم حلمه وكرمه ورفقه ، ثم بين تعالى أن ما جعله للإنسان من السمع والبصر ابتلاء له ، ومن أدركه أدركه الغلط وارتكب الشطط ـ انتهى.
ولما ذكر مطلق خلقه ، وقرر أنه خلاصة الكون ، شرع يذكر كيفية خلقه ويدل على ما لزم من ذلك من أنه ما خلق الخلق إلا لأجله وأنه لا يجوز أن يهمل فقال معلما بالحال التي هي قيد الجملة ومحط الفائدة أنه ما خلق إلا للآخرة ، مفصلا أمر الإيجاد بالفاعل والصورة والمادة والغاية وأكده لإنكارهم له : (إِنَّا) أي على ما لنا من العظمة (خَلَقْنَا) أي قدرنا وصورنا ، وأظهر ولم يضمر لأن الثاني خاص والأول عام لآدم عليه الصلاة والسّلام وجميع ولده فقال : (الْإِنْسانَ) أي بعد خلق آدم عليه الصلاة والسّلام (مِنْ نُطْفَةٍ) أي مادة هي ماء يسير جدا من الرجل والمرأة ، وكل ماء قليل في وعاء فهو نطفة وهي المادة التي هي السبب الحامل للقوة المولدة.
ولما كان خلقه على طبائع مختلفة وأمزجة متفاوتة أعظم لأجره إن جاهد ما يتنازعه من المختلفات بأمر ربه الذي لا يختلف ، وكانت أفعاله تابعة لأخلاقه وأخلاقه تابعة لجبلته قال : (أَمْشاجٍ) أي أخلاط ـ جمع مشج أو مشيج مثل خدن وخدين وأخدان ، وخلط وخليط وأخلاط ، من مشجت الشيء ـ إذا خلطته ، لأنه من مني الرجل ومني المرأة ، وكل منهما مختلف الأجزاء متباين الأوصاف في الرقة والثخن والقوام والخواص تجتمع مع الأخلاط وهي العناصر الأربعة ، ماء الرجل غليظ أبيض ، وماء المرأة رقيق أصفر فأيهما علا كان الشبه له ، وما كان من عصب وعظم فمن نطفة الرجل ، وما كان من دم ولحم وشعر فمن ماء المرأة ، وقال يمان : كل لونين اختلطا فهو أمشاج ، وقال قتادة : هي أطوار الخلق من النطفة وما بعدهما ، وكما يشبه ما غلب عليه من باطن الأمشاج من الطيب والخبث ، وكيفية تمشيجه أن الماء إذا وصل إلى قرار الرحم اختلط بماء المرأة ثم بدم الطمث وخثر حتى صار كالرائب ثم احمر وحينئذ يسمى علقة ، فاذا اشتد ذلك الامتزاج وقوي وتمتن حتى استعد لأن يقسم فيه الأعضاء سمي مضغة ، فإذا أفيضت عليه صورة الأعضاء وتقسم كساه حينئذ مفيضه عزوجل لحما ، فأفاض عليه القوة العاقلة ، ويسمى حينئذ جنينا ، وذلك بعد تقسيم أجزائه إلى عظام وعروق وأعصاب وأوتار ولحم ، فدور الرأس وشق في جانبيه السمع وفي مقدمه البصر والأنف والفم ، وشق في البدن سائر المنافذ ثم مد اليدين والرجلين وقسم رؤوسها بالأصابع ، وركب الأعضاء الباطنة من القلب والمعدة والكبد ـ والطحال والرئة والمثانة ، فسبحان من خلق تلك الأشياء من نطفة سخيفة مهينة كوّن منها العظام مع قوتها
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
