بتعهده ليحفظه ولا يشذ عنه منه شيء ، وكان قد ختم سبحانه ما قبلها بالمعاذير ، وكانت العجلة مما يعتذر عنه ، وكان الحامل على جميع ما يوجب الملامة والاعتذار ما طبع عليه الإنسان من حب العاجل ، قال سبحانه نتيجة عن هذه المقدمات الموجبة لانكشاف الأشياء للإنسان الموجب للإخبار بها والخوف من عواقبها لئلا يميل إلى العاجلة ولا يقع في مخالفة لو لا ما شغله به من الحجب إعلاما بأنه سبحانه وتعالى قد دفع عن النبي صلىاللهعليهوسلم تلك الحجب وأوصله من رتبة «لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا» إلى أنهاها ، وأنه قادر على ما يريد من كشف ما يريد لمن يريد كما يكشف لكل إنسان عن أعماله في القيامة حتى يصير يعرف ما قدم منها وما أخر ، وتنبيها على أنه صلىاللهعليهوسلم لا كسب له في هذا القرآن بغير حسن التلقي إبعادا له عن قول البشر وتمهيدا بما يحرك من لسانه بالقرآن قبل تمام الإلقاء لذم ما طبع عليه الإنسان : (لا تُحَرِّكْ بِهِ) أي القرآن الذي هو تذكرة من شاء ذكره لو لا حجاب المشيئة ، وقد كشف سبحانه وتعالى حجاب المشيئة لهذا النبي الكريم صلىاللهعليهوسلم وشاء أن يذكره حين قال (وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ) [الإنسان : ٣٠] لأنه ما نزله إليه بغير اكتساب منه إلا وقد شاء ذلك (لِسانَكَ) الذي ليست له حركة إلا في ذكر الله تعالى.
ولما لم يكن لهذا التحريك فائدة مع حفظ الله له على كل حال إلا قصد الطاعة بالعجلة ، وكانت العجلة هي الإتيان بالشيء قبل أوانه الأليق به ، وإن كان النبي صلىاللهعليهوسلم مثابا على ذلك أعظم الثواب لأنه لا حامل له عليه إلا حب الله وحب ما يأتي منه ، وجعلها الله سبحانه وتعالى علة وإن لم تكن مقصودة فقال : (لِتَعْجَلَ بِهِ) أي بحمله وأخذه قبل أن يفرغ من إلقائه إليك رسولنا جبريل عليه الصلاة والسّلام مخافة أن ينفلت منك ، لأن هذه العجلة وإن كانت من الكمالات بالنسبة إليك وإلى إخوانك من الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام كما قال موسى عليه الصلاة والسّلام : (وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى) [طه : ٨٤] لأنها من النفس اللوامة التي تلوم على ترك المبادرة إلى أفعال الخير فغيرها من أفعال المطمئنة أكمل منها ، فنقل صلىاللهعليهوسلم من مقام كامل إلى أكمل منه ، وكان هذا الكلام المتعلق بالقرآن والذي بعده فرقانا بين صفتي اللوامة في الخير واللوامة في الشر ، والآية ناظرة إلى قوله تعالى في المدثر حكاية (إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ) وما بينهما اعتراض في وصف حال القيامة جر إليه قوله تعالى : (سَأُصْلِيهِ سَقَرَ) [المدثر : ٢٦] أي أن الذي خيل به المتقول في القرآن أمران : أحدهما أنه سحر والآخر أنه قول البشر ، والعلم اليقين حاصل بانتفاء الأول ، وأما الثاني فكان النبي صلىاللهعليهوسلم يخشى أن لا يتقن حفظه فتدخل عليه كلمة مثلا فيكون من قول البشر فنهاه الله تعالى عن العجلة وضمن له الحفظ ، ثم
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
