غاب من الأسباب أكثر من دعائه إلى معرفة حكمتها ؛ قال هذه المقالة (وَتَوَلَّى) أي انصرف بوجهه (عَنْهُمْ) لما تفاقم عليه من الحزن ، وبلغ به من الجهد ، وهاج به باجتماع حزن إلى حزن من الحرق كراهية لما جاؤوا به وإقبالا على من إليه الأمر (وَقالَ) مشتكيا إلى الله لا غيره ، فهو تعريض بأشد التصريح والدعاء : (يا أَسَفى) أي يا أشد حزني ، والألف بدل عن ياء الإضافة لتدل على بلوغ الأسف إلى ما لا حد له ، وجناس «الأسف» مع «يوسف» مما لم يتعمد ، فيكون مطبوعا ، فيصل إلى نهاية الإبداع ، وأمثاله في القرآن كثير (عَلى يُوسُفَ) هذا أوانك الذي ملأني بك فنادمني كما أنادمك ، وخصه لأنه قاعدة إخوانه ، انبنى عليها وتفرع منها ما بعدها (وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ) أي انقلب سوادهما إلى حال البياض كثرة الاستعبار ، فعمى البصر (مِنَ الْحُزْنِ) الذي هو سبب البكاء الدائم الذي هو سبب البياض ، فذكر السبب الأول ، يقال : بلغ حزنه عليهالسلام حزن سبعين ثكلى وما ساء ظنه قط. ثم علل ذلك بقوله : (فَهُوَ) أي بسبب الحزن (كَظِيمٌ) أي شديد الكظم لامتلائه من الكرب ، مانع نفسه من عمل ما يقتضيه ذلك من الرعونات بما آتاه الله من العلم والحكمة ، وذلك أشد ما يكون على النفس وأقوى ما يكون للحزن ، فهو فعيل بمعنى مفعول ، وهو أبلغ منه ، من كظم السقاء ـ إذا شده على ملئه.
ومادة «كظم» تدور على المنع من الإظهار ، ويلزمه الكرب ـ لأنه من شأن الممنوع مما قد امتلأ منه ، ويلزمه الامتلاء ، لأن ما دونه ليس فيه قوة الظهور ، كظم غيظه ـ إذا سكت بعد امتلائه منه ، وكظمت السقاء ـ إذا ملأته وسددته ، وكظم البعير جرته ـ إذا ردها وكف ، والكظم : مخرج النفس ، لأنه به يمنع من الجري في هواه ؛ والكظامة : حبل يشد به خرطوم البعير ، لمنعه مما يريد ، وأيضا يوصل بوتر القوس العربية ثم يدار بطرف السية العليا ، منعا له من الانحلال وأيضا قناة في باطن الأرض يجري فيهما الماء ، لأنه يمنع الماء من أن يأخذ في هواه فيرتفع في موضع النبع فيظهر على وجه الأرض ، وخرق يجري فيه الماء من بئر إلى بئر ، لأنه لا يصنع إلا عند ضعف إحدى البئرين ، فلولاه لفاضت القوية ، فهو تصريف لمائها في غير وجهه ، وكظامة الميزان : المسمار الذي يدور فيه اللسان ، لأنه يربطه فيمنعه من الانفكاك ، ويقال : ما زلت كاظما يومي كله ، أي ممسكا عن الأكل وقد امتلأت جوعا ، وقد يطلق على مطلق النبع ، ومنه كاظمة ـ لقرية على شاطىء البحر ، لأن البحر قد كظمها عن الانفساح وكذا هي منعته عن الانسياح.
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
