الإحسان ، فأجر في أمرنا على عادة إحسانك ، فكأنه قيل : فما أجابهم؟ قيل : (قالَ مَعاذَ اللهِ) أي نعوذ بالذي لا مثل له معاذا عظيما (أَنْ نَأْخُذَ) أي لأجل هذا الأمر (إِلَّا مَنْ) أي الشخص الذي (وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ) ولم يقل : سرق متاعنا ، لأنه ـ كما أنه لم يفعل في الصواع فعل السارق ـ لم يقع منه قبل ذلك ما يصحح إطلاق الوصف عليه ؛ علل ذلك بقوله : (إِنَّا إِذاً) أي إذا أخذنا أحدا مكانه (لَظالِمُونَ) أي عريقون في الظلم في دينكم ، فلم تطلبون ما هو ظلم عندكم.
ذكر ما بعد ما سلف من هذه القصة من التوراة
قال : وكان القهم ـ وفي نسخة : الجوع ـ والإرجاف على جميع وجه الأرض ، ففتح يوسف الأهراء ، وأقبل يبيع المصريين ، واشتد الجوع بأرض مصر ، وأقبل جميع أهل الأرض يأتون للامتيار من يوسف.
فبلغ يعقوب عليه الصلاة والسّلام أن بمصر طعام ميرة ، فقال يعقوب عليهالسلام لبنيه : لا خوف عليكم ، لأنه قد بلغني أن بمصر ميرة فاهبطوا إلى هناك ، فامتاروا (١) لنا فنحيى ولا نموت. فهبط بنو يعقوب عليه الصلاة والسّلام العشرة ليمتاروا ميرة من مصر ، فأما بنيامين أخو يوسف فلم يرسله يعقوب مع إخوته ، لأنه قال : لعله أن يعرض له عارض ، فأتى بنو إسرائيل ليمتاروا مع الذين كانوا ينطلقون ، لأن الجوع اشتد في أرض كنعان ، وكان يوسف هو المسلط على الأرض ، وكان يميز جميع شعب الأرض ، فأتى إخوة يوسف عليه الصلاة والسّلام فخروا له سجدا على الأرض ، فرأى يوسف إخوته فأثبتهم وتناكر عليهم وكلمهم بفظاظة وقساوة ، وقال لهم : من أين أنتم؟ فقالوا : أتينا من أرض كنعان لنمتار ميرة ، فذكر يوسف عليه الصلاة والسّلام الرؤيا التي قصها عليهم وقال لهم : إنكم جواسيس ، وإنما أتيتم لتفحصوا وتطلعوا الأرض. فقالوا : كلا يا سيدنا! إن عبيدك إنما أتوا ليمتاروا ، نحن أجمعون بنو رجل واحد ، ونحن أبرياء ، وليس عبيدك بطلائع ، فقال لهم يوسف : ليس الأمر كما تقولون ، بل إنما أتيتم لتجسسوا أرضنا. فقالوا له : نحن اثنا عشر رجلا إخوة عبيدك بنو رجل واحد بأرض كنعان ، والآخر هو عند أبينا يومنا هذا ، والآخر فقدناه ، فقال لهم يوسف : إني إنما قلت لكم : إنكم جواسيس ، من أجل هذا بهذه تمتحنون ، وحق فرعون! لا أخرجنكم من هاهنا حتى يأتي أخوكم الأصغر إلى هاهنا. فنفحص عن أقاويلكم إن كنتم نطقتم بالحق والقسط ، وإلا وحق فرعون! إنكم طلائع ، فقذفهم في الحبس ثلاثة أيام ، ودعا بهم
__________________
(١) امتاروا ميرا من باب باع وما جاء وتحرّك وذهب والميرة : الطعام امتارها لنفسه.
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
