لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٧٨) قالَ مَعاذَ اللهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلاَّ مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إِنَّا إِذاً لَظالِمُونَ (٧٩))
ولما تم ذلك ، كان كأنه قيل : إن انتزاع أخيهم منهم ـ بعد تلك المواثيق التي أكدوها لأبيهم ـ لداهية تطيش لها الحلوم ، فماذا كان فعلهم عندها؟ فقيل : (قالُوا) تسلية لأنفسهم ودفعا للعار عن خاصتهم (إِنْ يَسْرِقْ) فلم يجزموا بسرقته ، لعلمهم بأمانته ، وظنهم أن الصواع دس في رحله وهو لا يشعر ، كما دست بضاعتهم في رحالهم وإنما أوهى ظنهم هذا سكوت أخيهم عن الاعتذار به ، على أنه قد ورد أنهم لاموه فقال لهم : وضعه في رحلي الذي وضع البضاعة في رحالهم (فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ) أي شقيق (لَهُ) ولما كان ما ظنوه كذلك في زمن يسير ، أدخلوا الجار فقالوا : (مِنْ قَبْلُ) يعنون يوسف عليه الصلاة والسّلام ، وذلك أنه قيل : إن عمته كانت لا تصبر عنه ، وكان أبوه لا يسمح بمكثه عندها ، لأنه لا يصبر عنه ، فحزمته من تحت ثيابه بمنطقة أبيها إسحاق عليهالسلام وكانت عندها ، ثم قالت : فقدت منطقة أبي ، فاكشفوا أهل البيت ، فوجدوها مع يوسف عليه الصلاة والسّلام ، فسمح يعقوب عليه الصلاة والسّلام حينئذ لها ببقائه عندها (فَأَسَرَّها) أي إجابتهم عن هذه القولة القبيحة (يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ) على تمكنه مما يريد بهم من الانتقام.
ولما كان ربما ظن ظان أنه بكتهم بها بعد ذلك ، نفى هذا الظن بقوله تعالى : (وَلَمْ يُبْدِها) أي أصلا (لَهُمْ) فكأنه قيل : فما قولته التي أسرها في نفسه؟ فقيل : (قالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً) أي من يوسف وأخيه ، لأن ما نسب إليهما من الشر إنما هو ظاهرا لأمر خير اقتضاه ، وأما أنتم ففعلتكم بيوسف شر مقصود منكم ظاهرا وباطنا ، ونسبة الشر إلى مكانهم أعظم من نسبته إليهم ، وإنما قدم الإخبار بالإسرار مع اقترانه بالإضمار قبل الذكر ، لئلا يظن بادىء بدء أنهم سمعوا ما وصفهم به من الشر (وَاللهُ) أي الذي له الإحاطة الكاملة (أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ) منكم ، وأنه ليس كما قلتم ؛ والوصف : كلمة مشتقة من أصل من الأصول لتجري على مذكور فتفرق بينه وبين غيره بطريق النقيض كالفرق بين العالم والجاهل ونحوهما ، فكأنه قيل : إن ذلك القول على فحشه ليس مغنيا عنهم ولا عن أبيهم شيئا ، فهل اقتصروا عليه؟ فقيل : لا ، بل (قالُوا) التماسا لما يغنيهم : (يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ) فخاطبوه بما يليق بالأكابر ليرق لهم (إِنَّ لَهُ) أي هذا الذي وجد الصواع في رحله (أَباً شَيْخاً كَبِيراً) أي في سنه وقدره وهو مغرم به ، لا يقدر على فراقه ولا يصبر عنه (فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ) وأحسن إلى أبيه بإرساله إليه (إِنَّا نَراكَ) أي نعلمك علما هو كالرؤية أو بحسب ما رأيناه (مِنَ الْمُحْسِنِينَ) أي العريقين في صفة
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
