هو أكبر من ذلك من جميع الأكوان : (أَوَلا يَذْكُرُ) بإسكان الذال على قراءة نافع وابن عامر وعاصم إشارة إلى أنه أدنى ذكر من هذا يرشده إلى الحق ، وقراءة الباقين بفتح الذال والكاف وتشديدهما يشير إلى أنه ـ لاستغراقه في الغفلة ـ يحتاج إلى تأمل شديد (الْإِنْسانُ) أي الآنس بنفسه ، المجترىء بهذا الإنكار على ربه وقوفا مع نفسه (أَنَّا خَلَقْناهُ) وأشار بإثباته الجار إلى سبقه بالعدم فقال : (مِنْ قَبْلُ) أي من قبل جدله هذا أي بما لنا من القدرة والعظمة.
ولما كان المقام لتحقيره بكونه عدما ، أعدم من التعبير عن ذلك ما أمكن إعدامه ، وهو النون ، لتناسب العبارة المعتبر فقال : (وَلَمْ يَكُ شَيْئاً) أصلا ، وإنا بمقتضى ذلك قادرون على إعادته فلا ينكر ذلك.
ولما كان كلام الكافر صورته صورة استفهام ، وهو جحد في الحقيقة وإنكار ، وكان إنكار المهدّد لشيء يقتدر عليه المهدد سببا لأن يحققه له مقسما عليه ، قال تعالى مجيبا عن إنكاره مؤذنا بالغضب عليهم بالإعراض عنهم مخاطبا لنبيه صلىاللهعليهوسلم تفخيما لشأنه وتعظيما لأمره : (فَوَ رَبِّكَ) المحسن إليك بالانتقام منهم.
ولما كان الإنكار للبعث يلزم منه الاحتقار ، أتى بنون العظمة ، واستمر في هذا التحلي بهذا المظهر إلى آخر وصف هذا اليوم فقال : (لَنَحْشُرَنَّهُمْ) بعد البعث (وَالشَّياطِينَ) الذين يضلونهم بجعل كل واحد منهم مع قرينه الذي أضله ، في سلسلة (ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ) بعد طول الوقوف (حَوْلَ جَهَنَّمَ) التي هم بها مكذبون ، يحيطون بها لضيق رأسها وبعد قعرها ، حال كونهم (جِثِيًّا) على الركب من هول المطلع وشدة الذل ، مستوقرين تهيؤوا للمبادرة إلى امتثال الأوامر (ثُمَّ لَنَنْزِعَنَ) أي لنأخذن أخذا بشدة وعنف (مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ) أي فرقة مرتبطة بمذهب واحد.
ولما كان التقدير : لننزعن أغناهم ، وهم الذين إذا نظرت إلى كل واحد منهم بخصوصه حكمت بأنه أغنى الناس ، علم أنهم بحيث يحتاج إلى السؤال عنهم لإشكال أمرهم فقال : (أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ) الذي غمرهم بالإحسان (عِتِيًّا) أي تكبرا متجاوزا للحد ، انتزاعا يعلم به أهل الموقف أنه أقل من القليل ، وأوهى أمرا من القتيل ، وأن له سبحانه ـ مع صفة الرحمة التي غمرهم إحسانها وبرها ـ صفات أخرى من الجلال والكبرياء والجبروت والانتقام.
ولما تقدم ما هو في صورة الاستفهام ، أتبعه ما يزيل ما قد يقع بسببه من بعض الأوهام ، فقال : (ثُمَ) وعزتنا! (لَنَحْنُ) لشمول علمنا وكمال قدرتنا وعظمتنا (أَعْلَمُ)
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
