آخر السورة ليكون ذلك أشد تثبيتا للبعث وأعظم تأكيدا ، وإن استطلت هذا العطف مع بعد ما بين المعطوف والمعطوف عليه واستعظمته واستنكرته لذلك واستبعدته فقل : لما كشفت هذه السورة عن هذه القصص الغريبة ، وكان المتعنتون ربما قالوا : نريد أن يخبرنا هذا الذي ينزل عليك بجميع أنباء الأقدمين وأخبار الماضين ، قال جوابا عن ذلك أن قيل : ما أنزلنا عليك بأخبار هؤلاء إلا بأمر ربك ، وما نتنزل فيما يأتي أيضا إلا بأمر ربك ؛ ثم علل ذلك بقوله : (لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا) أي من المكان والزمان وما فيهما (وَما خَلْفَنا) من ذلك (وَما بَيْنَ ذلِكَ) وهو نحن والمكان والزمان اللذان نحن بهما وما فوقه وتحته ، ونحن نعلم ذلك ونعمل على حسب ما نعلم ، فلا نتصرف في ملكه إلا بأمره (وَما كانَ) على تقدير من التقادير (رَبُّكَ نَسِيًّا) أي ذا نسيان لشيء من الأشياء فيترك تفصيل أمر الروح ، ويؤخر الجواب عن الوقت الذي وعدتهم فيه لخفاء شيء من ذلك عليه ، ولا ينسى ما يصلحك فيحتاج إلى مذكر به ، ولا ينسى أحدا منا فينزل في وقت نسيانه له بل هو دائم الاطلاع على حركاتنا وسكناتنا ، فنحن له في غاية المراقبة ، وهو سبحانه يصرفنا بحسب الحكمة في كل وقت تقتضيه حكمته ، لا يكون شيء من ذلك إلا في الوقت الذي حده له وأراده فيه ، ولا يخرج شيء من الأشياء وإن دق عن مراده. ويجوز أن يقال في التعبير بصيغة فعيل أنه لا يتمكن العبد من الغيبة عن السيد بغير إذنه إلا إن كان بحيث يمكن أن يغفل وأن تطول غفلته وتعظم لكونه مجبولا عليها ، أو أنه لما استلبث الوحي في أمر الأسئلة التي سألوا عنها من الروح وما معها خمس عشرة ليلة أو أكثر أو أقل ـ على اختلاف الروايات ، فكان ذلك موهما للأغبياء أنه نسيان ، وكان مثل ذلك لا يفعله إلا كثير النسيان ، نفى هذا الوهم بما اقتضاه من الصيغة ونفى قليل ذلك وكثيره في السورة التي بعدها ضما لدليل النقل إلى دليل العقل بقوله (لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى) [طه : ٥٢] لما اقتضاه السياق ، فأتى في كل أسلوب بما يناسبه مع الوفاء بما يجب من حق الاعتقاد ، وهذه الآية مع (وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ) و (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُ) [الإسراء : ٨٨] مثل (قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ) [هود : ٣] ـ الآيتين في سورة هود عليهالسلام ، على ما قدمت في بيانه غير أن ما جمع هناك فصل هنا في أول الجواب عن أسئلتهم بآية (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ) وأثنائه بآية (وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ) وآخره بهذه الآية ، لتكون الآيات رابطة على هذه الأجوبة وتوابعها وضابطة لها كالشهب والحرس الشديد بالنسبة إلى السماء ، فلا يبغيها متعنت من جهة من جهاتها كيدا إلا رد خاسئا ، ولا يرميها بقادح إلا كان رميه خاطئا.
ولما وصف سبحانه وتعالى بنفوذ الأمر واتساع العلم على وجه ثبت به ما أخبر به
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
