من ذلك الكرب العظيم ، وإبراهيم عليهالسلام وهم في قواه مع اضطرام النار وإطفاء السن وإصلاد العظم ، وأعلى بها إسرائيل عليهالسلام وبنيه في سوط الفراق وامتهان العبودية وانتهاك الاتهام حتى كان أبناؤه معدن الملوك والأنبياء ، ومحل الأتقياء والأصفياء ، إلى غير ذلك من جليل الأنبياء وعظيم الاصطفاء والاجتباء (عَلَيْهِمْ) بما خصهم به من مزيد القرب إليه ، وعظيم المنزلة لديه ؛ وبين الموصول بقوله : (مِنَ النَّبِيِّينَ) أي المصطفين للنبوة الذين أنبأهم الله بدقائق الحكم ، ورفع محالهم بين الأمم ، وأنبؤوا الناس بجلائل الكلم ، وأمروهم بطاهر الشيم.
ولما كانوا بعض بني آدم الذين تقدم أنا كرمناهم ، قال إشارة إلى ما في ذلك من النعمة عليهم وهم يرونها : (مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ) صفينا أبي البشر الذي خلقه الله من التراب بيده ، وأسجد له ملائكته ، وإدريس أحقهم بذلك.
ولما كان في إنجاء نوح عليهالسلام وإغراق قومه من القدرة الباهرة ما لا يخفى ، نبه عليه بنون العظمة في قوله مشيرا إلى أعظم النعمة عليهم بالتبعيض ، وإلى أن نبيهم من ذريته كما كان هو من ذرية إدريس عليهالسلام الذي هو من ذرية آدم ، فكما كان كل منهم رسولا فكذلك هو وإبراهيم أقربهم إلى ذلك : (وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ) صفينا أول رسول أرسلناه بعد افتراق أهل الأرض وإشراكهم ، من خلص العباد ، وأهل الرشاد ، وجعلناه شكورا ، وإبراهيم أقربهم إلى ذلك (وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ) خليلنا الذي كان له في إعدام الأنداد ما اشتهر به من فضله بين العباد ، وإسماعيل وإسحاق أولاهم بذلك ، ثم يعقوب (وَإِسْرائِيلَ) صفينا ، وهم الباقون : موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى ابن مريم بنت داود ـ على جميعهم أفضل الصلاة والسّلام ـ فكما كان هؤلاء رسلا وهم من ذرية إبراهيم الذي هو من ذرية نوح فكذا نبيكم الذي هو من ذرية إسماعيل الذي هو من إبراهيم لصلبه وهو أول أولاده كما كان إسرائيل من ذريته ، فالإرسال من ذرية من هو ابنه لصلبه أولى من الإرسال من ذرية من بينه وبينه واسطة ، وإلا كان بنو إسرائيل أشرف منكم وأبوهم أشرف من أبيكم ، فلا تردوا الكرامة ، يا من يتنافسون في المفاخرة والزعامة (وَمِمَّنْ هَدَيْنا) إلى أقوم الطرق (وَاجْتَبَيْنا) أي فعلنا بهم فعل من يتخير الشيء وينتقيه بأن أسبغنا عليهم من النعم ما يجل عن الوصف ؛ وعطف الأوصاف بالواو إشارة إلى التمكن فيها.
ولما ذكر ما حباهم به ، ذكر ما تسبب عن ذلك فقال مستأنفا (إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ) العام النعمة ، فكيف بهم إذا أعلاهم جلال أو خصتهم رحمة من جلائل النعم ، من فيض الجود والكرم ، فسمعوا خصوص هذا القرآن (خَرُّوا سُجَّداً) للمنعم عليهم تقربا إليه ، لما لهم من البصائر المنيرة في ذكر نعمه عليهم وإحسانه إليهم
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
