(وَبُكِيًّا) خوفا منه وشوقا إليه ، فوصفهم بسرعة الخشوع من ذكر الله الناشىء عن دوام الخضوع والناشىء عنه الإسراع بالسجود في حالة البكاء ، وجعلهما حالتين بالعطف بالواو لعراقة المتحلي بهما في كل منهما على انفراده ، وعبر بالاسم في كل من السجود والبكاء ، إشارة إلى أن خوفهم دائم كما أن خضوعهم دائم لعظمة الكبير الجليل ، لأن تلك الحضرة لا تغيب عنهم أصلا ، وإن حصل غير البكاء فللتأنيس لمن أرسلوا إليه ليوصلوه إلى قريب من رتبتهم بحسن عشرتهم على تفاوت المراتب ، وتباين المطالب ، وحذف ذكر الأذقان لدلالتها ـ كما تقدم في سبحن ـ على نوع دهشة ، فهي ـ وإن أعلت صاحبها عمن لم يبلغها ـ حالة دون مقام الراسخين في حضرة الجلال ، لأنهم ـ مع كونهم في الذروة من مقام الخوف ـ في أعلى درجات الكمال من حضور الفكر وانشراح الصدر ـ لتلقي واردات الحق وإلقائها إلى الخلق ، انظر إلى ثبات الصديق رضي الله عنه ـ لعلو مقامه عن غيره ـ عند وفاة النبي صلىاللهعليهوسلم مع أنه أوفاهم من المحبة مشربا ، وأصفاهم موردا ، وأوفرهم حزنا ، وأكثرهم غما وهما ، حتى أنه اعتراه لذلك مرض السل حتى مات به وجدا وأسفا ومن هنا تعلم السر في إرسال النبي صلىاللهعليهوسلم الأنبجانية التي ألهت في الصلاة بأعلامها في الصلاة إلى أبي جهم لأنه رضي الله عنه ربما كان من أهل الجمع في الصلاة فلا يرى غيره سبحانه فناء عن كل فان بخلاف النبي فإنه لكماله متمكن في كل من مقامي الجمع والفرق في كل حالة ولهذا يرى من خلفه في الصلاة ولا يخفى عليه خشوعهم.
ولما كان من المقاصد العظيمة تبكيت اليهود ، لأنهم أهل الكتاب وعندهم من علوم الأنبياء ما ليس عند العرب وقد استرشدوهم واستنصحوهم ، فقد كان أوجب الواجبات عليهم محض النصح لهم ، فأبدى سبحانه من تبكيتهم ما تقدم إلى أن ختمه بأن جميع الأنبياء كانوا لله سجدا ولأمره خضعا ، عقب ذلك بتوبيخ هو أعظم داخل فيه وهو أشد مما تقدم لمن خاف الله ورسله فقال : (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ) أي في بعض الزمان الذي بعد هؤلاء الأصفياء سريعا (خَلْفٌ) هم في غاية الرداءة (أَضاعُوا الصَّلاةَ) الناهية عن الفحشاء والمنكر التي هي طهرة الأبدان ، وعصمة الأديان ، وأعظم الأعمال ، بتركها أو تأخيرها عن وقتها والإخلال بحدودها ، فكانوا لما سواها أضيع ، فأظلمت قلوبهم فأعرضوا عن داعي العقل (وَاتَّبَعُوا) أي بغاية جهدهم (الشَّهَواتِ) التي توجب العار في الدنيا والنار في الآخرة ، فلا يقربها من يستحق أن يعد بين الرجال ، من تغيير أحكام الكتاب وتبديل ما فيه مما تخالف الأهواء كالرجم في الزنا ، وتحريم الرشى والربا ، ونحو ذلك ، وأعظمه كتم البشارة بالنبي العربي الذي هو من ولد إسماعيل
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
