بقية سكان الأرض غير يأجوج ومأجوج براري شاسعة ، وفيافي واسعة ، منعت من اختلاطهم بهم ، وأن تطيعهم بلسان غيرهم بعيد جدا لقلة حفظهم لخروج بلادهم عن حد الاعتدال ، أو لغير ذلك ، ويلزم من ذلك أنهم لا يكادون يفهمون غيرهم شيئا من كلامهم ، وذلك معنى قراءة حمزة والكسائي بضم التحتانية وكسر القاف ودل على أن عدم فهمهم وأفهامهم مقيد بما مضى قوله : (قالُوا) أي مترجموهم أو جيرانهم ـ الذين من دونهم ـ كما في مصحف ابن مسعود ممن يعرف بعض كلامهم ، أو بالإشارة كما يخاطب إليكم : (يا ذَا الْقَرْنَيْنِ) مسنا الضر (إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ) وهما قبيلتان من الناس من أولاد يافث ، لا يطاق أمرهم ، ولا يطفأ جمرهم ، وقد ثبت في الصحيح في حديث بعث النار أنهم من ذرية آدم عليهالسلام (١)(مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ) بأنواع الفساد (فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً) نخرجه لك من أموالنا ـ هذا على قراءة الجماعة ، وزاد حمزة والكسائي ألفا ، فقيل : هما بمعنى واحد ، وقيل : بل الخرج ما تبرعت به ، والخراج بالألف ما لزمك. (عَلى أَنْ تَجْعَلَ) في جميع ما (بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ) من الأرض التي يمكن توصلهم إلينا منها بما آتاك الله من المكنة (سَدًّا) يصل بين هذين الجبلين (قالَ) بعفة وديانة وقصد للخير : (ما مَكَّنِّي).
ولما كان لمكنته حالتان : إحداهما ظاهرة ، وهي ما شوهد من فعله بعد وقوعه ، وباطنة ولا يقع أحد عليها بحدس ولا توهم ، لأنها مما لم يؤلف مثله ، فلا يقع المتوسم عليه ، قرأ ابن كثير بإظهار النون في (مَكَّنِّي) وغيره بالإدغام ، إشارة إليهما. ولما كان النظر إلى ما يقع المكنة فيه أكثر ، قدم ضميره فقال : (فِيهِ رَبِّي) أي المحسن إليّ بما ترون من الأموال والرجال ، والفهم في إتقان الأمور ، والتوصل إلى جميع الممكن للمخلوق (خَيْرٌ) أي من خرجكم الذي تريدون بذله لمكنتي كما قال سليمان عليهالسلام (فَما آتانِيَ اللهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ) [النمل : ٣٦](فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ) أي آلات وعمال أتقوى بها في فعل ذلك ، فإن أهل البلاد أخبر بما يصلح في هذا العمل من بلادهم وما معي إنما هو للقتال وما يكون من أسبابه ، لا لمثل هذا (أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ) أي بين ما تختصون به (وَبَيْنَهُمْ رَدْماً) أي حاجزا حصينا موثقا بعضه فوق بعض ، مع التلاصق المتلاحم الموجب لأن لا يميز بعضه من بعض وهو أعظم من السد ؛ قال البغوي : فحفر له الأساس حتى بلغ الماء وجعل حشوه الصخر وطينه النحاس يذاب فيصب عليه فصار كأنه عرق من جبل تحت الأرض. (آتُونِي) بفتح الهمزة بعدها
__________________
(١) أخرجه البخاري ٣٣٤٨ ومسلم ٢٢٢ وأحمد ٣ / ٣٢ من حديث أبي سعيد الخدري.
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
