المرفق بعد قوله تعالى (إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ) المختوم بقولهم (وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً) فقال بيانا لإجمال (سِنِينَ عَدَداً) محققا لقوله تعالى : (قُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا) : (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ) نياما (ثَلاثَ) أي مدة ثلاث (مِائَةٍ سِنِينَ) شمسية بحساب اليهود الآمرين بهذا السؤال ، وعبر بلفظ السنة إشارة إلى ذمها بما وقع فيها من علو أهل الكفر وطغيانهم بما أوجب خوف الصديقين وهجرتهم وإن كان وقع فيها خصب في النبات وسعة في الرزق ، وذلك يدل على استغراق الكفر لمدة نومهم.
ولما كان المباشرون للسؤال هم العرب قال : (وَازْدَادُوا تِسْعاً) أي من السنين القمرية إذا حسب الكل بحساب القمر ، لأن تفاوت ما بين السنة الشمسية والقمرية عشرة أيام وإحدى وعشرون ساعة وخمسا ساعة كما تقدم في النسيء من براءة ، فإذا حسبت زيادة السني القمرية على الثلاثمائة الشمسية باعتبار نقص أيامها عنها كانت تسع سنين ، وكأن مدة لبثهم كانت عند اليهود أقل من ذلك أو أكثر ، فقال على طريق الجواب لسؤال من يقول : فإن قال أحد غير هذا فما يقال له؟ (قُلِ اللهُ) أي الذي له الإحاطة الكاملة (أَعْلَمُ) منكم (بِما لَبِثُوا) ثم علل ذلك بقوله تعالى : (لَهُ) أي وحده (غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) يعلمه كله على ما هو عليه ، ولا ينسى شيئا من الماضي ولا يعزب عنه شيء من الحاضر ، ولا يعجز عن شيء من الآتي ، فلا ريب فيما يخبر به.
ولما كان السمع والبصر مناطي العلم ، وكان متصفا منهما بما لا يعلمه حق علمه غيره ، عجب من ذلك بقوله تعالى : (أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ) ولما كان القائم بشيء قد يقوم غيره مقامه إما بقهر أو شرك ، نفى ذلك فانسد باب العلم عن غيره إلا من جهته فقال تعالى : (ما لَهُمْ) أي لهؤلاء السائلين ولا المسؤولين الراجمين بالغيب في أصحاب الكهف (مِنْ دُونِهِ) وأعرق بقوله تعالى : (مِنْ وَلِيٍ) يجيرهم منه أو يخبرهم بغير ما أخبر به (وَلا يُشْرِكُ) أي الله (فِي حُكْمِهِ أَحَداً) فيفعل شيئا بغير أمره أو يخبر بشيء من غير طريقه.
ولما تقرر أنه لا شك في قوله : ولا يقدر أحد أن يأتي بما يماثله فكيف بما ينافيه مع كونه مختصا بتمام العلم وشمول القدرة ، حسن تعقيبه بقوله عطفا على (قُلِ اللهُ أَعْلَمُ) : (وَاتْلُ) أي اقرأ على وجه الملازمة (ما أُوحِيَ إِلَيْكَ) وبنى الفعل للمجهول لأن الخطاب مع النبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلم وهو على القطع بأن الموحى إليه هو الله سبحانه وتعالى (مِنْ كِتابِ رَبِّكَ) الذي أحسن تربيتك في قصة أهل الكهف وغيرها ، على من رغب فيه غير ملتفت إلى غيره واتبعوا ما فيه واثقين بوعده ووعيده وإثباته ونفيه وعلى غيرهم.
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
